1- مفهوم التسبيح

التسبيح هو تنزيه الله عز وجل في الاعتقاد والقول والعمل، عما لا يليق به سبحانه.

2- كلمة التسبيح

       في

القرآن الكريم

وردت كلمة (سبح) وصيغها في القرآن الكريم (٨٧) مرة. والصيغ التي وردت هي:

– الفعل الماضي

ورد ٤ مرات

قال الله تعالى:

﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

الحديد:١

– الفعل المضارع

ورد ٢٠ مرة

قال الله تعالى:

﴿ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾

البقرة:٣٠

– فعل الأمر

ورد  مرتين

قال الله تعالى:

﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ﴾

ق:٤٠

– المصدر

ورد  مرتين

قال الله تعالى:

﴿ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾

الإسراء:٤٤

– اسم المصدر

ورد ٤١ مرة

قال الله تعالى:

﴿ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

يوسف:١٠٨

– اسم الفاعل

ورد  مرتين

قال الله تعالى:

﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ﴾

الصافات:١٦٦

وجاء (التسبيح) في القرآن الكريم بمعني تنزيه الله جل ثناؤه من كل سوء.

3- تسبيح الله عز وجل نفسه

كل ما في القرآن الكريم من تمجيد الله عز وجل لنفسه العلية؛ وذكر أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وبيان قدرته وعظمته، والحديث عن آياته وآلائه، وقوته وجبروته سبحانه وتعالى، كل ذلك يدخل في تسبيح الله عز وجل لنفسه، وهذا كثير في كتاب الله عز وجل لا يمكن حصره . ولقد سبح الله عز وجل نفسه العلية في كتابه العزيز – بلفظ التسبيح- في مواضع كثيرة، بلغت سبعة وعشرين موضعًا.

1- تنزيه الله عز وجل نفسه عن اتخاذ الولد

لقد ورد في كتاب الله عز وجل آيات تسع نزه الله عز وجل فيها نفسه المقدسة – بلفظ التسبيح- عما وصفه به المشركون المفترون من نسبة الولد له سبحانه

قال الله تعالى:

﴿ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾

الزمر: ٤

﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ﴾

البقرة: ١١٦

﴿ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾

النساء: ١٧١

﴿ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

مريم: ٣٥

﴿ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾

يونس: ٦٨

بين سبحانه أن جميع ما في السماوات والأرض مملوك له، و هو الغني الذي لا يفتقر إلى غيره، فكيف إذًا يحتاج إلى ولد فيستغني به وهو الغني الحميد؟!

2- تنزيه الله عز وجل نفسه عن أن له البنات

قال الله تعالى:

﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ ﴾

النحل: ٥٧

وكل المخلوقات ملكه وطوع أمره، حتى الملائكة العظام – الذين قال عنهم المشركون أنهم بنات الله- ما هم إلا عباد لله،

3- تنزيه الله عز وجل نفسه عن أن بين الله وبين الجن نسبًا

قال الله تعالى:

﴿ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ . سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾

الصافات: ١٥٨ – ١٥٩

لقد افترى المشركون بهتانًا عظيمًا، وقالوا زورًا كبيرًا؛ إذ زعموا أن بين الله وبين الجن نسبًا؛ حيث زعموا أن الملائكة بنات الله، وأن أمهاتهم من الجن، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا

4- تنزيه الله عز وجل نفسه عن الشريك

نزه الله عز وجل نفسه – بلفظ التسبيح- عن أن يكون له شريك يشاركه في الخلق أو الملك أو الحكم.

قال الله تعالى:

﴿ قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا . سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾

الإسراء: ٤٢ – ٤٣

فلو كان هناك آلهة أخرى لتسابقوا وتنافسوا إلى ذي العرش لإزالة ملكه والتغلب عليه، تنزَّه الله وتقدَّس عَمَّا يقوله المشركون وتعالى علوًا كبيرًا.

قال الله تعالى:

﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾

الأنبياء: ٢٢

لو كان في السموات والأرض آلهة غير الله سبحانه وتعالى تدبر شؤونهما، لاختلَّ نظامهما وذلك لأن تعدد الآلهة يلزمه التنازع والتغالب بينهم، فيختل نظام الكون، ويضطرب الأمر، ويعم الفساد في العالم ، فتنزَّه الله رب العرش، وتقدَّس عَمَّا يصفه الجاحدون الكافرون، من الكذب والافتراء وكل نقص.

قال الله تعالى:

﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾

المؤمنون: ٩١

لم يجعل الله لنفسه ولدًا، ولم يكن معه من معبود آخر؛ لأنه لو كان ثمة أكثر مِن معبود لانفرد كل معبود بمخلوقاته، ولكان بينهم مغالبة كشأن ملوك الدنيا، فيختلُّ نظام الكون، تنزَّه الله سبحانه وتعالى وتقدَّس عن وصفهم له بأن له شريكًا أو ولدًا.

قال الله تعالى:

﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾

القصص: ٦٨

وربك يخلق ما يشاء أن يخلقه، ويصطفي لولايته مَن يشاء من خلقه، وليس لأحد من الأمر والاختيار شيء، وإنما ذلك لله وحده سبحانه، تعالى وتنزَّه عن شركهم.

قال الله تعالى:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَٰلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾

الروم: ٤٠

الله وحده هو الذي خلقكم – أيها الناس- ثم رزقكم في هذه الحياة، ثم يميتكم بانتهاء آجالكم، ثم يبعثكم من القبور أحياء للحساب والجزاء، هل من شركائكم مَن يفعل من ذلكم من شيء؟ تنزَّه الله وتقدَّس عن شرك هؤلاء المشركين به.

5- تنزيه الله عز وجل نفسه عن النقائص

من خلال بيان عظمته وقدرته

سبح الله عز وجل نفسه في كتابه العزيز عن كل ما نسبه إليه الكافرون المفترون، وعن كل ما قد يظنه المبطلون من نقص أو عجز أو سوء، ومجد سبحانه نفسه ببيان بعض مظاهر قدرته وعظمته، وبيان بعض أسمائه الحسنى وصفاته العلى

قال الله تعالى:

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ﴾

يس: ٣٦

تنزَّه الله العظيم الذي خلق الأصناف جميعها من أنواع نبات الأرض، ومن أنفسهم ذكورًا وإناثًا، ومما لا يعلمون من مخلوقات الله الأخرى. قد انفرد سبحانه بالخلق، فلا ينبغي أن يُشْرَك به غيره.

قال الله تعالى:

﴿ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾

يس: ٨٣

وتنزه من بيده ملك كل شيء، وخزائن كل شيء، المتصرف في كل شيء، والجميع راجع إليه سبحانه.

قال الله تعالى:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾

الزمر: ٦٧

وما عظَّم هؤلاء المشركون اللهَ حق تعظيمه؛ إذ عبدوا معه غيره مما لا ينفع ولا يضر، فسوَّوا المخلوق مع عجزه بالخالق العظيم، الذي من عظيم قدرته أن جميع الأرض في قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه، تنزه وتعاظم سبحانه وتعالى عما يشرك به هؤلاء المشركون .

قال الله تعالى:

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾

الحشر: ٢٣

هو الله المعبود بحق، الذي لا إله إلا هو، الملك لجميع الأشياء، المتصرف فيها بلا ممانعة ولا مدافعة، المنزَّه عن كل نقص، الذي سلِم من كل عيب، المصدِّق رسله وأنبياءه بما ترسلهم به من الآيات البينات، الرقيب على كل خلقه في أعمالهم، العزيز الذي لا يغالَب، الجبار الذي قهر جميع العباد، وأذعن له سائر الخلق، المتكبِّر الذي له الكبرياء والعظمة. تنزَّه الله تعالى عن كل ما يشركونه به في عبادته.

هذه هي المواضع من كتاب الله عز وجل التي ورد فيها تسبيح الله عز وجل لنفسه بلفظ التسبيح الصريح، وقد رأينا أن التسبيح فيها كان بمعنى تقديس الله عز وجل وتنزيهه عن كل ما لا يليق به سبحانه؛ فنزه تعالى نفسه عن اتخاذ الولد، ونزه نفسه عن اتخاذ الشريك، ونزه نفسه عن المثيل والشبيه، وسمى سبحانه نفسه بأعظم الأسماء وأحسنها، ونبه سبحانه عباده على بعض مظاهر قدرته وعظمته وجبروته، وفي ذلك توجيه عظيم للعباد بأن يعظموا ربهم، ويسبحوه، ولا يغفلوا عن ذكره سبحانه طرفة عين.

4 – المسبحون لله عز وجل

     من المخلوقات

لقد بين الله عز وجل في كتابه العزيز أن جميع المخلوقات تسبح له سبحانه .

قال الله تعالى:

﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾

الإسراء: ٤٤

ذكر عز وجل في كتابه العزيز تسبيح بعض مخلوقاته على وجه الخصوص؛ فذكر تسبيح الملائكة، وتسبيح بعض الأنبياء، وتسبيح المؤمنين، وتسبيح من عبدوا من دون الله، وفي المطالب التالية سنقف بإذن الله تعالى مع الآيات التي ذكرت تسبيح هذه المخلوقات لربها عز وجل.

1- تسبيح الملائكة عليهم السلام

الملائكة خلق من خلق الله عز وجل، وهم عباد مكرمون، خلقهم سبحانه لعبادته

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ  ﴾

الأعراف: ٢٠٦

﴿ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ . يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ﴾

الأنبياء: ١٩

والملائكة تسبح ربها عز وجل تسبيحًا دائمًا متواصلًا من غير انقطاع ولا فتور ولا سآمة.

قال الله تعالى:

﴿ فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ  ﴾

فصلت: ٣٨

﴿ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ . يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ﴾

الأنبياء: ١٩ – ٢٠

لقد أخبر القرآن الكريم عن تسبيح الملائكة على العموم، وأخبر كذلك عن تسبيح حملة العرش والحافين من حوله من الملائكة على الخصوص.

قال الله تعالى:

﴿ وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

الزمر: ٧٥

﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾

غافر: ٧

و الملائكة تسبح ربها عز وجل من هيبته وإجلاله ورهبته.

قال الله تعالى:

﴿ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴾

الرعد: ١٣

ثانيًا: تسبيح الأنبياء عليهم السلام

الأنبياء عليهم السلام هم صفوة البشر، وأكملهم علمًا وعقلًا وخلقًا، وأعظمهم عبادة وتسبيحًا وتقديسًا لله عز وجل؛ اعتقادًا وقولًا وعملًا؛ وقد ذكر الله عز وجل في كتابه تسبيح بعض أنبيائه، وذلك في سياق ما قصه سبحانه من قصصهم وأخبارهم، مع الآيات التي ورد فيها ذلك فيما يأتي:

1- تسبيح يونس عليه السلام

قال الله تعالى:

﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ  وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

الأنبياء: ٨٧

واذكر قصة صاحب الحوت، وهو يونس بن مَتَّى عليه السلام، أرسله الله إلى قومه فدعاهم فلم يؤمنوا، فتوعَّدهم بالعذاب فلم ينيبوا، ولم يصبر عليهم كما أمره الله، وخرج مِن بينهم غاضبًا عليهم، ضائقًا صدره بعصيانهم، وظن أن الله لن يضيِّق عليه ويؤاخذه بهذه المخالفة، فابتلاه الله بشدة الضيق والحبس، والتقمه الحوت في البحر، فنادى ربه في ظلمات الليل والبحر وبطن الحوت تائبًا معترفًا بظلمه؛ لتركه الصبر على قومه، قائلا: لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين. فاستجبنا له دعاءه، وخلَّصناه مِن غَم هذه الشدة، وكذلك ننجي المصدِّقين العاملين بشرعنا.

2- تسبيح موسى عليه السلام

قال الله تعالى:

﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

الأعراف: ١٤٣

ولما جاء موسى في الوقت المحدد وهو تمام أربعين ليلة، وكلَّمه ربه بما كلَّمه من وحيه وأمره ونهيه، طمع في رؤية الله فطلب النظر إليه، قال الله له: لن تراني، أي لن تقدر على رؤيتي في الدنيا، ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه إذا تجلَّيتُ له فسوف تراني، فلما تجلَّى ربه للجبل جعله دكًّا مستويًا بالأرض، وسقط موسى مغشيًّا عليه، فلما أفاق من غشيته قال: تنزيهًا لك يا رب عما لا يليق بجلالك، إني تبت إليك من مسألتي إياك الرؤية في هذه الحياة الدنيا، وأنا أول المؤمنين بك من قومي.

3- تسبيح داود عليه السلام

قال الله تعالى:

﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ﴾

الأنبياء: ٧٩

﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ﴾

سبأ: ١٠

﴿ اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ . إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ . وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ﴾

ص: ١٧ – ١٩

فهذه الآيات الثلاث بينت تسبيح نبي الله داود عليه السلام، حيث كان عليه السلام إذا سبح الله تعالى وأثنى عليه، سبحت بتسبيحه الجبال والطير، وجاوبته بالذكر والثناء على الله تبارك وتعالى.

4- تسبيح زكريا عليه السلام

قال الله تعالى:

﴿ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾

آل عمران: ٤١

ذكر الله عز وجل تسبيح عبده ونبيه زكريا عليه السلام، وجاء ذلك في سياق ذكر قصته عليه السلام حينما طلب من الله عز وجل أن يهب له ذرية طيبة، فاستجاب الله عز وجل دعاءه، وبشره بالولد على لسان الملائكة، وحينها قال زكريَّا: رب اجعل لي علامةً أستدلُّ بها على وجود الولد مني؛ ليحصل لي السرور والاستبشار، قال: علامتك التي طلبتها: ألا تستطيع التحدث إلى الناس ثلاثة أيام إلا بإشارة إليهم، مع أنك سويٌّ صحيح، وفي هذه المدة أكثِرْ من ذكر ربك، وصلِّ له أواخر النهار وأوائله.

5- تسبيح عيسى عليه السلام

قال الله تعالى:

﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾

المائدة: ١١٦

ويكون هذا يوم القيامة، يوم يجمع الله الرسل ويسألهم ماذا أجبتم؟ ويسأل عيسى بمفرده توبيخًا للنصارى – الذين اتخذوه إلهًا- على شركهم، فيقول الله عز وجل هذا لعيسى عليه السلام، فيتبرأ عليه السلام من شركهم ومن مقولتهم الكفرية، وينزه الله عز وجل عن ذلك بالتسبيح له سبحانه.

6- تسبيح النبي محمد صلى الله عليه وسلم

ورد في كتاب الله عز وجل كثير من الآيات التي جاء فيها ذكر تسبيح النبي صلى الله عليه وسلم. ولقد أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بمداومة التسبيح فيها

قال الله تعالى:

﴿ فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ ﴾

طه: ١٣٠

﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾

غافر: ٥٥

﴿ فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ. وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ﴾

ق: ٣٩ – ٤٠

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ . وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ﴾

الطور: ٤٨ – ٤٩

و يقرن الأمر بالتسبيح مع الأمر بالصبر، لأن التسبيح معينٌ على الصبر، وأن في ملازمة التسبيح كشفًا للضيق .

ثالثًا: تسبيح المؤمنين

تسبيح الله عز وجل من هدي أصفياء الله المرسلين، ودأب عباد الله المؤمنين، وشغل أوليائه المتقين، وقد ذكر الله عز وجل في كتابه تسبيح عباده المؤمنين له سبحانه، وذلك في عدد من الآيات التي مدحت المسبحين، والتي أمرت المؤمنين بالمداومة على التسبيح.

1- مدح المسبحين من المؤمنين

جاءت عدة آيات في كتاب الله عز وجل تمدح المؤمنين الذين يسبحون الله عز وجل.

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ . الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

آل عمران: ١٩٠ – ١٩١

هذه الآيات التي بثها الله عز وجل في السماوات والأرض إنما يعقلها أولوا الألباب والنهى، الذين استنارت قلوبهم بنور الإيمان، فأبصرت حقيقة الأشياء، إنهم المؤمنون الموقنون، الذين يتفكرون في خلق الله عز وجل، ويقفون على آياته؛ فيزيدهم ذلك إيمانًا على إيمانهم، فتخشع قلوبهم، وتنشط ألسنتهم بذكر ربهم وتسبيحه في كل أحوالهم .

قال الله تعالى:

﴿ قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا . وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ﴾

الإسراء: ١٠٧ – ١٠٨

ففي هاتين الآيتين يخبر الله عز وجل إن العلماء الذين أوتوا الكتب السابقة من قبل القرآن، وعرفوا حقيقة الوحي من مؤمني أهل الكتاب إذا يتلى عليهم هذا القرآن يخرون سجدًا تعظيمًا وتبجيلا لله عز وجل على قدرته التامة، وأنه لا يخلف الميعاد .

قال الله تعالى:

﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ. رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ . لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

النور: ٣٦ – ٣٨

ففي هذه الآية مدح لأولئك المسبحين لربهم عز وجل، الذين لم تلههم الدنيا وما فيها من تجارة وبيع ومتاع عن عبادة ربهم، وعن صلاتهم، وزكاتهم، وتسبيحهم، وقد وعدهم الله عز وجل بحسن الجزاء وعظيم الثواب، مع الزيادة بغير حساب؛ لأنهم قدموا طاعته ورضاه على كل ما سواه.

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾

السجدة: ١٥

فلقد أثنى الله عز وجل على هؤلاء المؤمنين الذين يؤمنون بآياته، ووصفهم بالصفة الحسنى بسجودهم عند التذكير والوعظ بآياته، وبتسبيحهم لربهم، وعدم استكبارهم، بخلاف ما يصنع الكفار من الإعراض عند التذكير، وإظهار التكبر.

2- أمر المؤمنين بالمداومة على تسبيح الله عز وجل

لقد أمر الله عز وجل عباده المؤمنين بأن يسبحوه بكرةً وأصيلًا، في الصباح والمساء، في الشدة والرخاء، في كل أوقاتهم، وعلى كل أحوالهم.

قال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا . وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾

الأحزاب: ٤١ – ٤٢

3- تسبيح المؤمنين لربهم عز وجل علي نعمه عليهم

قال الله تعالى:

﴿ وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ . لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾

الزخرف: ١٢ – ١٣

ففي هاتين الآيتين: يذكر الله عز وجل عباده ببعض نعمه عليهم؛ من تسخير الفلك التي تحملهم في البحار بما ينفعهم، وتسخير الدواب والأنعام ليأكلوا منها ويركبوا على ظهورها، وأمرهم سبحانه بأن يذكروا هذه النعم العظيمة عليهم، ويسبحوا ربهم عز وجل؛ شكرًا على هذه النعم، وذلك حين التلبس بمنافعها والاستواء على ظهورها.

4- تسبيح المؤمنين لربهم عز وجل في الجنة

فتسبيح المؤمنين لربهم عز وجل لا ينتهي بانتهاء الدنيا؛ بل يبقى معهم في دار الخلد والنعيم.

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ  وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

يونس: ٩ – ١٠

رابعًا: تسبيح المخلوقات كلها لله عز وجل

لقد أسند الله عز وجل في كتابه العزيز التسبيح إلى أصناف مخلوقاته جميعًا؛ من الحيوانات، والنباتات، والجمادات، العاقلة منها وغير العاقلة، والناطقة وغير الناطقة، وكل شيء مما خلق الله عز وجل في السماوات أو في الأرض أو فيما بينهما من المخلوقات التي لا يحيط بعلمها، ولا يعلم عددها إلا الله عز وجل الذي خلقها، والذي أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا.

قال الله تعالى:

﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾

الإسراء: ٤٤

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾

النور: ٤١

أخبر الله عز وجل عن تسبيح مخلوقات معينة له سبحانه، وهي

– تسبيح الرعد

قال الله تعالى:

﴿ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ﴾

الرعد: ١٣

– تسبيح الجبال والطير

قال الله تعالى:

﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ﴾

الأنبياء: ٧٩

خامسًا: تسبيح من عبدوا من دون الله عز وجل

لقد عبد بعض الضلال من الناس مخلوقات لله عز وجل، بهتانًا وزورًا وافتراءً على الله، فمنهم من عبد نبي الله عيسى عليه السلام، ومنهم من عبد الملائكة، ومنهم من عبد غير ذلك، وكل ذلك شرك وكفر يستحق من فعله الخلود في عذاب الله عز وجل. ولقد أخبر الله عز وجل في كتابه العزيز أن عيسى عليه السلام والملائكة الذين عبدوا من دون الله سيتبرؤون يوم القيامة مما فعله المبطلون، ومن شرك المشركين، وسيسبحون الله عز وجل وينزهونه عما افتراه المفترون،

– أما عيسى عليه السلام كلامه مع رب العزة -سبحانه بالتسبيح – قبل أن يبرأ نفسه – تنزيهًا له سبحانه عما افتراه المفترون، وتعظيمًا له وإجلالًا، وثناءً عليه، وخضوعًا له وخوفًا منه

قال الله تعالى:

﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾

المائدة: ١١٦

– أما الملائكة الذين عبدهم الضلال من دون الله عز وجل، فقد أخبر الله عز وجل بأنهم سيتبرؤون يوم القيامة من عبادة أولئك المشركين لهم، وسيسبحون الله عز وجل تنزيهًا له عن شرك المشركين وافتراء الكافرين.

قال الله تعالى:

﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَٰؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ . قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ ﴾

سبأ: ٤٠- ٤١

وبعد هذا الاستعراض لتسبيح الخلائق كلها لله عز وجل -من الملائكة، والنبيين، والمؤمنين، وسائر المخلوقات- نستشعر عظمة من سبح له الخلق كله؛ فما استكبر مخلوق عن تسبيح خالقه، وما استنكف عبد علم قدر ربه عن عبادة مولاه؛ فالكون كله خلق الله، والخلق كله قد سبح لله .

5 –  صيغ التسبيح

من خلال تتبع الآيات التي ورد فيها التسبيح في كتاب الله عز وجل، نجد أن التسبيح فيها ورد بعدة صيغ؛ فَمِنْ صِيَغِ التَّسْبِيحِ:

1- سُبْحَانَ اللَّهِ

قال الله تعالى:

﴿ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾

الْمُؤْمِنُونَ: 91

﴿ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾

الطُّورِ: 43

2- سُبْحَانَ رَبِّي

قال الله تعالى:

﴿ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ﴾

الْإِسْرَاءِ: 93

3- سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ

وَتُقَالُ فِي الرُّكُوعِ، وَعِنْدَ تِلَاوَةِ

قال الله تعالى:

﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾

الْوَاقِعَةِ: 74

4- سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى

وَتُقَالُ فِي السُّجُودِ

قال الله تعالى:

﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾

الْأَعْلَى: 1

5- سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ

قال الله تعالى:

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ﴾

الْفُرْقَانِ: 58

6 – مواطن التسبيح

التسبيح في كتاب الله عز وجل يجد أن التسبيح يشرع في مواطن مخصوصة – فضلًا عن التسبيح العام في كل وقت وعلى كل حال-، ومن خلال استقراء تلك الآيات نجد أن معظم التسبيح الوارد فيها جاء في المواطن الأتية

1- التسبيح في موطن تنزيه الله عز وجل

لقد سبح الله عز وجل نفسه العلية عن كل نقص أو عيب نسبه إليه الجاهلون بربهم عز وجل؛ فنزه سبحانه نفسه عن اتخاذ الصاحبة والولد، ونزه نفسه عن الشريك والند والمثيل

قال الله تعالى:

﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ﴾

البقرة: ١١٦

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَٰلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾

الروم: ٤٠

2- التسبيح في المواطن الدالة على قدرة الله عز وجل وعظمته

إن المواطن التي يقف فيها العبد على شيء من عظيم قدرة ربه وبديع صنعه، لا يملك العبد فيها إلا أن يلهج بتسبيح ربه وتنزيهه عن كل نقص أو عيب نسبه إليه المبطلون.

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ . الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

آل عمران: ١٩٠- ١٩١

﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾

يس: ٨٢- ٨٣

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ﴾

يس: ٣٦

3- التسبيح في مواطن التعجب

ومن المواطن التي يرد فيها التسبيح ويشرع مواطن التعجب، وقد ورد التسبيح في عدد من الآيات في موطن التعجب – سواء كان التعجب من عظمة قدرة الله عز وجل أو تعجبٌ من غير ذلك

قال الله تعالى:

﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ﴾

البقرة: ١١٦

فتسبيحه تعالى لنفسه في هذه الآية كما يتضمن تنزيهه عن اتخاذ الولد، يتضمن كذلك التعجب من هذه المقولة الباطلة.

قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم جوابًا عما اقترحه الكفار من الآيات

قال الله تعالى:

﴿ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ﴾

الإسراء: ٩٣

تعجبٌ من تعنت هؤلاء الكفار ومن ظنهم السيء في الله عز وجل، وتنزيه له عز وجل عما لا يليق به مما يصفونه به، ومن أن يتقدم أحد بين يديه في أمر من أمور سلطانه وملكه.

قال الله تعالى:

﴿ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾

النور: ١٦

أي: نتعجب يا ربنا من شناعة ما سمعناه؛ فإن ما سمعناه عن أم المؤمنين عائشة كذب يبهت ويدهش من يسمعه، وهو فى الشناعة لا تحيط بوصفه عبارة.

4- التسبيح عقب الطاعات

ومن المواطن التي يشرع فيها التسبيح أيضًا: بعد الانتهاء من الطاعات والعبادات، كالتسبيح في أدبار الصلوات .

قال الله تعالى:

﴿ فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ. وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ﴾

ق: ٣٩- ٤٠

ففي هذه الآية يأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر، ويأمره بأن يسبح بحمد ربه في أوقات مخصوصة خصها سبحانه، وذكر سبحانه من هذه الأوقات: أدبار السجود

5- التسبيح بعد النصر

إن النصر بيد الله عز وجل، يمتن به على من يشاء من عباده،

قال الله تعالى:

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ . وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾

النصر: ١ – ٣

فإذا أنعم الله عز وجل على الأمة بالنصر على أعدائها، فعليها أن تجتهد في شكر ربها على هذه النعمة العظيمة

6- التسبيح عند الانتفاع بالنعمة

قال الله تعالى:

﴿ وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ . لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾

الزخرف: ١٢ – ١3

ولقد شرع الله عز وجل تسبيحه عند الانتفاع بالنعمة لأن ذلك يكون أدعى لشكر النعمة ، وأوقع في النفس، وأبعد ما يكون عن الغفلة عنها.

7- التسبيح عند الكرب

فمن المواطن التي أشار القرآن الكريم إلى مشروعية التسبيح فيها موطن الكرب والشدة، فقد يتعرض العبد في هذه الدنيا إلى الوقوع في شدة أو كرب، يحتاج عندئذ إلى الالتجاء إلى من ينجي من الكرب، ويفرج الشدائد، ولقد علمنا ربنا عز وجل ماذا نقول في مناجاتنا له سبحانه عند الكرب، وذلك من خلال ما أخبر به سبحانه من قصة ذي النون عليه السلام، عندما ناجى ربه في الظلمات.

قال الله تعالى:

﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ  وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

الأنبياء: ٨٧- ٨٨

فقد اشتمل دعاء ذي النون عليه السلام على التسبيح لله عز وجل، وبهذا نعلم أن التسبيح مشروع في موطن الكرب والشدة؛ ليكون فيه تضرع إلى الله عز وجل المنجي من الكرب.

7 – أزمنة التسبيح

ذكر الله عز وجل التسبيح في كتابه العزيز مقيدًا بأوقات مخصوصة وأزمنة معينة، حاثًا عباده على الإكثار من تسبيحه في تلك الأوقات المباركة، ومن خلال تتبع الآيات التي ورد فيها ذلك يمكن أن نجملها بما يأتي:

1- التسبيح في العشي والإبكار

ورد الأمر بالتسبيح بالعشي والإبكار أي في آخر النهار وأوله

قال الله تعالى:

( وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار )

غافر 55

2- التسبيح بكرة وأصيلًا

ورد الأمر بالتسبيح أول النهار وآخره.

قال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا . وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾

الأحزاب: ٤١- ٤٢

3- التسبيح قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وآناء الليل وأطراف النهار، وأدبار السجود

قال الله تعالى:

﴿ فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا  وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ ﴾

طه: ١٣٠

4- التسبيح في الصباح والظهر والمساء وحين القيام

قال الله تعالى:

﴿ فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا  وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ ﴾

طه: ١٣٠

أن الله سبحانه أمر عباده بتنزيهه في هذه الأوقات كناية عن استغراق الزمان كله في التسبيح، فيكون العبد ذاكرًا ربه في كل وقت وعلى كل حال.

8 –  فوائد التسبيح

إن من تأمل في الآيات التي ورد فيها التسبيح في كتاب الله عز وجل يعلم -ولا ريب- مدى عظم هذه العبادة الجليلة، وعظم فوائدها على العبد المؤمن في الدنيا والآخرة، ونذكر فيما يأتي بعض هذه الفوائد:

1- التسبيح من أعظم العبادات و

أجل القربات إلى الله عز وجل

فهو عبادة الملائكة المكرمين؛ بل هو عبادة المخلوقات جميعًا

قال الله تعالى:

﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾

الإسراء: ٤٤

أرسل الله تعالى رسوله ليقوم الناس بالإيمان، وليقوموا بتسبيح الله عز وجل

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا . لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾

الفتح: ٨ – ٩

2- الفوز بثناء الله عز وجل

إذ إن الله عز وجل قد أثنى في كتابه العزيز على عباده المسبحين

قال الله تعالى:

﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ. رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ . لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

النور: ٣٦ – ٣٨

﴿ إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ  ﴾

السجدة: ١٥

3- التسبيح عون على الصبر،

وسبب لزوال الكرب وضيق الصدر

ولهذا أمر الله عز وجل به نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم في كثير من المواضع في القرآن الكريم؛ ليكون له فيه العون على الصبر، والفرج من الكرب .

قال الله تعالى:

﴿ فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا  وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ ﴾

طه: ١٣٠

﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ . وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾

الحجر: ٩٧ – ٩٨

ولقد نجا الله عز وجل نبيه يونس عليه السلام من الظلمات بسبب تسبيحه،

قال الله تعالى:

﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ . لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

الصافات: ١٤٣- ١٤٤

4- التسبيح من أعظم ما يشكر به العبد

ربه على نعمه التي لا تحصى.

قال الله تعالى:

﴿ لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾

الزخرف: ١٣

5- التّسبيح هو دعاء أهل الجنّة

قال الله تعالى :

( دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ )

يونس 10

9 – أهداف التَّسبيح

أنَّ التسبيح، إضافةً إلى كونه ذكراً لله وعبادة، يمثِّل باباً لمعرفة الخالق بتجلّياته كافّة وهي  كالتالي ..

1- سُبْحَانَ اللَّهِ

عَلَى عَظِّيمَ خَلْقِهِ

اسْتَوْجَبَ خَلْقُهُ وَتَسْخِيرُهُ تَسْبِيحَهُ؛ إِقْرَارًا بِفَضْلِهِ، وَثَنَاءً عَلَيْهِ بِنِعَمِهِ

قال الله تعالى :

 ( سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ )

يس 36

 ( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ. ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ )

الزُّخْرُفِ 12-13

2- سُبْحَانَ اللَّهِ

عَلَى عَظِّيمَ حِكْمَتَةِ

وَجَاءَ تَسْبِيحُ اللَّهِ -تَعَالَى- لْحِكْمَتَةِ فِي أَفْعَالِهِ، وَتَنْزِيهِهِ -سُبْحَانَهُ- عَنِ الْعَبَثِ .

قال الله تعالى :

( رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ )

آلِ عِمْرَانَ 191

3- سُبْحَانَ اللَّهِ

عَلَى عَظِّيمَ قُدْرَتَهُ

وَجَاءَ تَسْبِيحُ اللَّهِ -تَعَالَى- لعَظِّيمَ قُدْرَتِهِ التى لَا تُحِيطُ وَلَا تُدْرِكُ الْعُقُولَ إِلَّا شَيْئًا قَلِيلًا مِنْهَا

قال الله تعالى :

( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ  )

الزُّمَرِ 67

 ( فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )

يس 83

4 – سُبْحَانَ اللَّهِ

لإِثْبَاتِ وَحْدَانِيَّتَةِ

وَجَاءَ تَسْبِيحُ اللَّهِ -تَعَالَى- لإِثْبَاتِ وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ -تَعَالَى- وَتَنْزِيهِهِ عَنِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ وَالشَّرِيكِ لَهُ

قال الله تعالى :

( وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ )

الْبَقَرَةِ 116

( إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ )

النِّسَاءِ 171

 ( وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ )

الْأَنْعَامِ 100

Share This