مفهوم الاقتصاد في القرآن الكريم

1- مفهوم الاقتصاد

الاقتصاد علم يبحث في كل ما يتعلق بالثروة، والمال، والتكسب، والتملك، والإنفاق . والاقتصاد يبحث أيضًا في مسائل الإنتاج والاستثمار، ومسائل الانتفاع والخدمات، ومسائل التوفير والادخار، ومسائل الغنى والفقر. ولم يرد لفظ (الاقتصاد) في القرآن الكريم، وإن كان تحدث عن قضايا تتعلق به، كما سيأتي بيانه.

2 – الكلمات ذات الصلة

     بكلمة  الاقتصاد  

– القناعة

هي الرضا بما أعطى الله.

قال الله تعالى :

﴿ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ﴾

الحج : 36

– الوسط

وهو بمعنى الاعتدال أو ما بين طرفي الإفراط والتفريط، أو ما بين البخل والسرف.

قال الله تعالى :

﴿ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾

المائدة : 89

– الإسراف

تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان .

قال الله تعالى :

﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾

الأعراف : 31

– التبذير

هو إنفاق المال في غير حقه، ولا تبذير في عمل الخير .

قال الله تعالى :

﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴾

الإسراء : 26

– البخل

إمساك المال وعدم صرفه، حرصًا على بقائه وزيادته، وخوفًا من نفاده.

قال الله تعالى :

﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾

النساء : 37

– الشح

هو البخل بأداء الحقوق، والحرص على ما ليس له

قال الله تعالى :

﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

التغابن :١٦

3- الموارد الاقتصادية

استخلف المولى سبحانه وتعالى الإنسان في الأرض لعمارتها واستثمار خيراتها ومواردها، وسخر له كل ما في الكون من سماء وأرض وما بينهما، وأغدق عليه نعمه، ليتمكن من القيام بواجب الاستخلاف، وسنوضح ذلك من خلال النقاط الآتية:

أولًا- الموارد الاقتصادية نعمة إلهية

من كمال ربوبية الله تعالى لعباده وقيوميته عليهم أنه سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض، وخلق لهم جميع ما يحتاجونه في هذه الحياة الدنيا من مستلزمات ، وقد امتن الله تعالى على عباده بذلك في آيات كثيرة.

قال الله تعالى :

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾

إبراهيم :٣٤

وذلك من عظيم نعمة الله تعالى على عباده، أن هيأ لهم جميع ما يحتاجون إليه ويطلبونه لتقوم أمور حياتهم .

قال الله تعالى :

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ ﴾

إبراهيم :٣٢

فامتن تعالى بمورد عزيز على الإنسان، هو الماء، الذي أنزله تبارك وتعالى من السحب، فأخرج لهم به من الثمرات المختلفة الأشكال والألوان، والطعوم والروائح والمنافع، وجعل من هذا الماء بحارًا تحمل السفن العظيمة وتنقلها المسافات البعيدة، وجعل منه الأنهار التي تشق الأرض من قطر إلى قطر، رزقًا للعباد؛ ليشربوا ويسقوا زروعهم وأنعامهم وغير ذلك من أنواع المنافع.

قال الله تعالى :

﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ﴾

الأعراف :٢٦

﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ ﴾

النحل:٨١

ومن تلك الموارد التي يحتاجها الإنسان في حياته ويسأل عنها: الأصواف والأوبار والقطن مما يحتاجه في لباسه، ووقاية جسده من الحر والبرد، وتزيين منظره وتحسينه، وقد امتن تعالى بذلك على عباده

قال الله تعالى :

﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾

الحديد :٢٥

و في بيان ما أنعمه على عباده من موارد الأرض الباطنة كالمعادن وغيرها

قال الله تعالى :

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾

الحجر:٢١

ثم إن الحديد لما كانت الحاجة إليه شديدة، جعله سهل الوجدان، كثير الوجود، والذهب لما قلَت الحاجة إليه جعله عزيز الوجود، وعند هذا يظهر أثر وجود الله تعالى ورحمته على عبيده . حسب ما تقضى حكمته، مما يصلح به أمر الناس وتعمر الأرض .

قال الله تعالى :

﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ﴾

فصلت :10

أعد سبحانه وتعالى كل شيء في الأرض، وقدر فيها الأقوات من قبل أن ينزل آدم عليه السلام إلى الأرض ليعمرها، ويكون خليفة فيها، هو وذريته إلى أن تقوم الساعة، فإذا اشتكى العالم من نقص في احتياجاته، فإنما مرجعه إلى التكاسل وعدم حسن استثمار ما خلقه الله وقدره من أرزاق في الأرض.

قال الله تعالى :

﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾

إبراهيم : ٣٤

ونرى التعاسة في كوكب الأرض رغم التقدم العلمي والتقني؛ ذلك أننا نستخدم ما كنزه الحق سبحانه ليكون مجال سعادة لنا في الحروب والتنافر. ولو أن ما يصرف على الحروب؛ تم توجيهه إلى تنمية المجتمعات المختلفة لعاش الجميع في وفرة حقيقية.

قال الله تعالى :

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾

البقرة :٢٩

ولكن سوء التنظيم وسوء التوزيع الذي نقوم به نحن البشر هو المسبب الأول لتعاسة الإنسان في الأرض.

ثانيًا- الموارد الاقتصادية

1- الأرض

ومن أهم الموارد الاقتصادية التي أنعم الله بها على عباده: الأرض بما تحتويه من ثروات وخيرات، كالمياه والمعادن والبترول والأحجار، وبكونها صالحة للزراعة والبناء وغير ذلك، وقد بين الله تعالى إنعامه على عباده في تسخير الأرض وتذليلها لهم، وما أودعه فيها من خيرات عظيمة في مواضع كثيرة من كتابه العزيز.

قال الله تعالى :

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾

الملك:١٥

ومن تذليل الله تعالى للأرض وتسخيرها لعباده جعلها صالحة للزراعة بما جعله فيها من مقومات الزراعة والإنبات، كالتربة الخصبة الغنية بالأملاح والمواد العضوية التي يتغذى النبات عليها وغير ذلك من المقومات .

قال الله تعالى :

﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَار إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

الرعد :٣

﴿ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ﴾

البقرة: ٢٢

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ . أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا . ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا. فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا . وَعِنَبًا وَقَضْبًا . وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا . وَحَدَائِقَ غُلْبًا . وَفَاكِهَةً وَأَبًّا . مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾

عبس:  24- 32

ومن تسخير الله تعالى الأرض لعباده: أن جعلها أجزاء وبقاع مختلفة. فيذلل الله تعالى الأرض لخدمة الإنسان ومصالحه، فبـاختلاف الأرض في أجزائها وبقاعها تتنوع الأشجار والنباتات، فمنها قوت للبشر، ومنها قوت للبهائم، ومنها الدواء، ومنها الفاكهة، ومنها الأنواع المختلفة في الحلاوة والحموضة.

قال الله تعالى :

﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾

الرعد :٤

ومن تسخير الله تعالى الأرض لعباده أنه جعل لهم التمكين فيها. أي قدرهم على التصرف فيها، ومنحهم القوة على استغلالها والانتفاع بمواردها، وذلك بما هيأه لهم فيها من الأسباب؛ كتذليل الأرض وتهيئتها للزراعة والبناء، وما جعل لهم فيها مما يعيشون به مما يخرج من الأشجار والنبات، ومعادن الأرض، ، وبما وهبهم من العقل والعلم والقوة.

قال الله تعالى :

﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾

الأعراف :١٠

2- الإنسان

ومن أهم الموارد الاقتصادية التي نوه إليها القرآن الكريم هو الإنسان بما آتاه الله تعالى من علم وعقل وقوة، وبما منحه من طاقة جبارة تمكنه من عمارة الأرض واستثمار خيراتها.

قال الله تعالى :

﴿ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾

هود:٦١

إن الله سبحانه استخلف البشر في الأرض بقصد عمارة الكون وإنمائه واستغلال كنوزه وثرواته، والناس في ذلك شركاء.

قال الله تعالى :

﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ﴾

الأعراف :١٠

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾

البقرة: ٢٩

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾

الجاثية:١٣

﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾

البقرة :٣٠

فالله تعالى جعل الإنسان خليفة في الأرض ليصلحها ويعمرها.

3- العمل

ومن أهم الموارد الاقتصادية التي نوه القرآن الكريم إليها هو العمل والجد فيه، فقد حث القرآن الكريم على العمل، ودعا إليه في آيات عديدة.

قال الله تعالى :

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ﴾

الملك :١٥

﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾

الجمعة: ١٠

هو دعوة من الله تعالى لعباده إلى العمل في هذه الحياة، وإلى السعي في الأرض، والضرب في وجوهها المختلفة، فالله سبحانه قد سخر للناس خيرات كثيرة في هذه الأرض، وعليهم أن يتحركوا في كل وجه على هذا البساط، وأن يمدوا أيديهم إلى كل شيء يقدرون عليه من هذا الخير.

قال الله تعالى :

﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ﴾

الإسراء: ١٢

﴿ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ﴾

القصص :٧٣

﴿ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴾

النبأ :١١

فبين تعالى أنه خلق الكون على هذه الكيفية من اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما لتنتظم أوقات عباده وأعمالهم، فيعملون ويكدون في النهار، ويرتاحون في الليل، وفي ذلك بيان لمشروعية العمل وأن الله أراده من عباده.

قال الله تعالى :

﴿ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾

المزمل :٢٠

﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

النساء :١٠١

فسمى الله تعالى السعي على الرزق ضربًا في الأرض، وفي ذلك إعلام منه تعالى لعباده أن العمل والكفاح في هذه الحياة يجب أن يكون في منتهى القوة والجد.

4 – مجالات الإنتاج

      في

القرءان الكريم

من رحمة الله سبحانه وتعالى بالإنسان أنه لما قضى باستخلافه في الأرض، هيأه لهذه المهمة، وسخر له كل ما في الكون، وعلمه أصول الإنتاج، ودله على العديد من مجالاته، وسوف نبين ذلك في النقاط الآتية:

أولًا – تعليم الله للإنسان أصول الإنتاج

من نعم الله على عباده أن علمهم كيف يعملون؟، وكيف ينتجون؟، حتى يقوموا بما أراده منهم من عمارة الأرض وإصلاحها، وحتى يوفروا حاجاتهم وضرورياتهم مما يحتاجونه في هذه الحياة.

قال الله تعالى:

﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾

إبراهيم:٣٤

فالله تعالى أنعم على الإنسان بأن أوجد له كل ما يحتاجه من الأشياء ويسأل عنه في حياته، وأنعم عليه بتعليمه كيف يستخدم وينتج من تلك الأشياء أشياء أخرى يحتاجها .

قال الله تعالى:

﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾

العلق :٣-٥

فمن كرمه تعالى على الإنسان أنه علمه العلوم المختلفة بالقلم آلة الكتابة الذي به تحفظ العلوم وتضبط الحقوق، بعد أن كان لا يعلم شيئًا، وجعل له السمع والبصر والفؤاد، ويسر له أسباب العلم.

قال الله تعالى:

﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

النحل: ٧٨

وهو يعدد نعمه على عبده ونبيه داود عليه السلام

قال الله تعالى:

﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ ﴾

الأنبياء:٨٠

أي: علم الله داود عليه السلام، صنعة الدروع، فهو أول من صنعها وعلمها، وسرت صناعته إلى من بعده .

قال الله تعالى:

﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

النحل: ٨

أي: وخلق الخيل والبغال والحمير للحمل والركوب، وهي كذلك زينة وجمال، ويخلق في المستقبل ما لا تعلمونه الآن كوسائل النقل الحديث: القاطرات، والسيارات، والطائرات النفاثة وغيرها مما يجد به الزمان وهو من تعليم الله للإنسان وهدايته إلى ما يسد به حاجته، وييسر حياته، وهكذا كلما اتسعت حاجة الإنسان فتح الله له بابًا جديدًا من الرزق والعمل والاكتشاف والاختراع.

قال الله تعالى:

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾

الحجر:٢١

وهكذا يعلم الله تعالى عباده أصول الصناعات والحرف، تفضلًا منه تعالى عليهم، وكلما زادت احتياجاتهم فتح لهم آفاقًا جديدة في العلم والمعرفة، كما هو مشاهد في واقعنا اليوم، كلما زادت البشرية في عددها واحتياجاتها، تقدم العلم والتكنولوجيا تقدمًا عظيمًا يسد تلك الحاجات.

ثانيًا – الأصل الإباحة في النشاط الإنتاجي

الأصل في النشاط الإنتاجي هو الإباحة، وأما التحريم فيتوقف على نص شرعيٍ يبينه ويخصصه.

قال الله تعالى:

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾

البقرة:٢٩

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾

الجاثية: ١٣

فبين تعالى نعمته على خلقه بأن خلق لهم جميع ما في الأرض، وسخره وهيأه وأباح الانتفاع به.

قال الله تعالى:

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾

يونس: ٥٩

﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴾

الأعراف : ٣٢

وقد ذم الله تعالى أهل الكفر في تحريمهم على أنفسهم بعض الأشياء التي أباحها لهم.

فأخبر تعالى أنه خلق لعباده جميع ما في الأرض برها وبحرها وجوها، ظاهرها وباطنها، وسخرها له، وأمره بإعمارها وإصلاحها، والقيام بأمر الله فيها وشرعه .

ثالثًا- مجالات الإنتاج

بين الله تعالى في كتابه الكريم بعض مجالات الإنتاج المختلفة.

قال الله تعالى:

﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾

الجمعة: ١٠

أي: أمر الله تعالى عباده المؤمنين إذا فرغوا من صلاة الجمعة أن ينتشروا في الأرض، وفي ذلك دعوة إلى أن يملأ المسلمون وجوه الأرض سعيًا وعملًا، وقد ذكر القرآن الكريم بعض مجالات الإنتاج، منها:

1- الزراعة

الزراعة هي التي بها حياة الأرض واستثمارها، وبها ينتج الإنسان قوته ورزقه.

قال الله تعالى:

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ . أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا . ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا. فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا . وَعِنَبًا وَقَضْبًا . وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا . وَحَدَائِقَ غُلْبًا . وَفَاكِهَةً وَأَبًّا . مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾

عبس:٢٤-٣٢

أي: فليتأمل الإنسان وليتدبر في أمر طعامه الذي فيه بقاؤه، كيف دبرناه له وقدرناه، ليعلم أن الكون كله مسخر له، وأننا لو لم نيسره له لهلك، فمبدأ ذلك أننا صببنا الماء من السحاب صبًا، ثم شققنا الأرض شقًا، أي: بالنبات الذي هو في غاية الضعف يشق الأرض المتماسكة بالماء ويخرج خارجها، فأنبت الله من هذا الماء الحبوب كالحنطة والشعير، والعنب.

2- التجارة

ومن مجالات الإنتاج التي بينها القرآن الكريم، التجارة، وفيها يتحصل الإنسان على المال والبضائع المختلفة.

قال الله تعالى:

﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾

البقرة :٢٧٥

بيَّن الله تعالى أنه أحل البيع وحرَّم الربا؛ لما في البيع والشراء من نفع للأفراد والجماعات .

قال الله تعالى:

﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾

الجمعة : 10

أي: إذا فرغتم من الصلاة فانتشروا في الأرض للتجارة والتصرف في حوائجكم.

3- الصناعة

ومن مجالات الإنتاج التي بينها القرآن الكريم: الصناعة، وبها يوجد الإنسان ما يحتاجه من أمور حياته.

قال الله تعالى:

﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ ﴾

الأنبياء:٨٠

4- الثروة الحيوانية

ومن مجالات الإنتاج التي بينها القرآن الكريم: الثروة الحيوانية.

قال الله تعالى:

﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾

النحل :٥

﴿ كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَىٰ ﴾

طه :٥٤

5- الثروة المائية

قال الله تعالى:

﴿ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

النحل: ١٤

6- الثروة المعدنية

قال الله تعالى:

﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾

الحديد :٢٥

﴿ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ﴾

فاطر: 27

5- المبادئ الاقتصادية

اشتمل القرآن الكريم على تشريعات تتلاءم مع فطرة الإنسان وحاجاته، ولذلك شرع الملكية الفردية، وحفظ الحقوق الخاصة، كما أمر بحفظ المال العام، والتكافل الاجتماعي، وسوف نبين هذه المبادئ الاقتصادية الأصيلة في النقاط الآتية:

أولًا- الملكية الفردية

الإنسان مفطور على حب التملك أو ما يعرف بالملكية الفردية، منذ أن أهبطه الله تعالى إلى الأرض إلى أن يرثها، وهو أمر معلوم بالضرورة.

قال الله تعالى:

﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾

الفجر: 20

﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾

العاديات :٨

بإثبات هذه الملكية كحق للفرد يتحقق الأمن في المجتمع، فيأمن كل شخص على ممتلكاته، ومدخراته، وثمرة عمله وجهده، مما يدفعه إلى العمل والجد والاجتهاد ، وسن التشريعات التي تحميها وتضمن عدم الاعتداء عليها، كما وضع ضوابط لتهذيبها وتنظيمها.

أ – الملكية الفردية واحترامه لها

قال الله تعالى:

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾

القصص :٧٧

ب – تفاوت الناس في الأرزاق

قال الله تعالى:

﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ﴾

الزخرف:٣٢

﴿ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ﴾

النحل:٧١

دلت الآية الكريمة على أن تفاوت الناس في الأرزاق والحظوظ سنة من سنن الله الكونية القدرية التي أرادها لعباده، لتنتظم بها حياتهم، فلا يستطيع أحد من أهل الأرض البتة تبديلها ولا تحويلها، بوجه من الوجوه

ت – عدم الاعتداء على هذه الملكية

قال الله تعالى:

﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

البقرة: ١٨٨

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾

الأنعام :١٥٢

﴿ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ﴾

الأنعام :١٥٢

﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ ﴾

المائدة :٣٨

فالأمر برعاية مال اليتيم، والوفاء في الكيل والميزان، كل ذلك لحفظ الحقوق لأصحابها، واحترام ملكيتهم لها، إلى غير ذلك من التشريعات التي بينها القرآن الكريم لحماية الملكية الخاصة من أي اعتداء.

كما بين القرآن الكريم بعض أسباب ووسائل حصول هذه الملكية وانتقالها، ومنها:

أ – الميراث

قال الله تعالى:

﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ  إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾

النساء: ١١

ب – العمل

قال الله تعالى:

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ  ﴾

الملك :١٥

والقرآن الكريم إذ يقرر الملكية الخاصة كحق من حقوق الأفراد، فإنه لا يترك تقرير هذا الحق حتى يطغى دون تقييد، فليس معنى الملكية الخاصة للفرد أن يتصرف فيها خارج حدود الشرع، وفيما حرمه الله، وليس معناها أيضًا أن يمنع حقوق الله منها ولا يؤديها، ولذلك حرم الله تعالى كنز الأموال المفضي إلى منع أداء الزكاة، كما حرم التبذير لأنه إنفاق للمال فيما حرم الله تعالى؛ كالخمر والميسر والرشوة.

قال الله تعالى:

﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا . إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴾

الإسراء :٢٦-٢٧

كما حرم تعالى الإسراف.

قال الله تعالى:

﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾

الأعراف: ٣١

كما بين القرآن الكريم حرصه على ألا تتحول هذه الملكية إلى تكدس في الثروات يؤدي إلى ترف وفساد وسيطرة.

قال الله تعالى:

﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ﴾

الحشر:٧

ثانيًا- حفظ المال

المال عصب الحياة، وضرورة من ضرورياتها، وقد بين القرآن الكريم شرف المال وقيمته ، والمال باعتبار الملكية ينقسم إلى قسمين: ملكية خاصة، و ملكية عامة ، وأمر بحفظه في آيات كثيرة . ومن طرق حفظه مايلي :

أ – حفظ المال الخاص

قال الله تعالى:

﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾

النساء :٥

فنهى تعالى عباده المؤمنين عن إعطاء الأموال للسفهاء الذين لا يحسنون التصرف فيها خشية إفسادها وإتلافها.

قال الله تعالى:

﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا . إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴾

الإسراء :٢٦-٢٧

﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴾

الإسراء :٢٩

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا ﴾

الفرقان: ٦٧

ومن الحقوق الخاصة التي بينها القرآن الكريم، وحث على حفظها وأدائها إلى أهلها ، الاتي

أ – الدين

وقد رغب الله في حفظ المال في آية المداينة حيث أمر بالكتابة والإشهاد والرهن .

قال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾

البقرة : 282

﴿ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ﴾

البقرة : 282

﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾

البقرة : 283

ب – الميراث

وقد جاء تفصيل أحكامه في آيات كثيرة من القرآن الكريم، بين فيها تعالى تقسيم الفرائض، وحصة كل وارث؛ وذلك لأنه كسب بدون مقابل، والنفوس متطلعة إليه فتولى الله تعالى تقسيمه حتى لا تحصل النزاعات فيه.

قال الله تعالى:

﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ  فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا . وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾

النساء :١١- 12

وهكذا يقرر القرآن الكريم مبدأ حفظ الحقوق الخاصة أتم تقرير، ويدعو إلى حفظها والاحتياط فيها أبلغ درجات الاحتياط.

ب – حفظ المال العام

يشمل هذا النوع من الملكية: المرافق الأساسية للدولة، كالطرقات ومجاري الأنهار والشوارع، والبحار والغابات، والنفط والمعادن ، وغير ذلك، يقرها الإسلام حماية للدولة وصيانة لسلامتها والعمل على تقدمها، والمحافظة على مرافقها العامة.

ومن حماية القرآن الكريم للملكية العامة ، وهو المال الذي خصص للمنفعة العامة ، تحريمه الغلول، وهوالخيانة في المغنم والسرقة من الغنيمة قبل القسمة .

قال الله تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

آل عمران :١٦١

وذلك لأن الغنيمة قبل قسمتها تكون ملكًا عامًا، فحرم تعالى الأخذ منها وهي كذلك، وتوعد من يفعله .

ثالثًا – التكافل الاجتماعي

من عظمة الاقتصاد الإسلامي تضمنه لمبدأ التكافل الاجتماعي، والذي يتحقق به التعاون والترابط في المجتمع، ويسود بين أفراده الحب والإخاء والاحترام، وينتشر بينهم جو السلم والأمن، وقد بين القرآن الكريم هذا المبدأ الاقتصادي وأرسى معالمه، فمن ذلك بيانه لشريعة الزكاة.

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾

التوبة :٦٠

بين تعالى مصارف الزكاة، وهي عماد مبدأ التكافل الاجتماعي، وبها ينصلح حال المجتمع ويسود العدل والإخاء فيه، وبدأ تعالى بالفقراء، فهم أحق جماعة في المجتمع الإنساني بالرعاية والحماية من آفة الفقر التي تفتك بهم، وتتعبهم في حياتهم، ومحاربة هذه الآفة بالإضافة إلى كونها مساعدة للفقراء، فهي في نفس الوقت حماية للأغنياء أنفسهم، وضمانة لأمنهم وسلامتهم في أموالهم وأنفسهم من عادية الفقراء عليهم.

وإذا استمر به الحال كذلك فإنه قد يفكر في السرقة أو النهب أو القتل، وهكذا يفقد المجتمع أمنه وهدوءه، بل ويفقد خيرة أبنائه ممن لجؤوا إلى عالم الجريمة والانحراف ليسدوا احتياجاتهم.

ولقد رغب القرآن الكريم بالإنفاق عمومًا في آيات كثيرة. وجعل فعل الزكاة سببا للأتي :

1- لتضعيف الثواب

قال الله تعالى:

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  ﴾

البقرة: ٢٦١

إن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله عز وجل، لأصحابها ، كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة .

2- سببًا من أسباب الفلاح

قال الله تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴾

المؤمنون :١- 4

3- أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ

قال الله تعالى:

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

البقرة:٢٦2

6 – حماية الاقتصاد

  من عوامل الفساد

شرع المولى سبحانه وتعالى تشريعات من شأنها أن تحمي الاقتصاد من الانهيار وعوامل الفساد، وأن تحقق أمن الإنسان واستقراره وسعادته في الدنيا والآخرة، ومن عوامل الفساد الاقتصادي التي تحدث عنها القرآن ما يأتي:

1- الربا

حرم الله سبحانه وتعالى الربا حماية للاقتصاد من عوامل الفساد، وذلك لما فيه من أضرار وخيمة عليه.

قال الله تعالى:

﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾

البقرة: ٢٧٦

فالفائدة الربوية التي يحصل عليها المرابي لا تأتي نتيجة عمل إنتاجي، بل استقطاع من مال الفرد أو مال الأمة دون مقابل، كما أن فيه دفعًا للمرابي إلى الكسل والبطالة لتمكنه من زيادة ثروته بدون جهد أو عناء، كما أن الربا يؤدي إلى ظاهرة التضخم في المجتمع، وينمي الضغائن والأحقاد بين أفراده بسبب استغلال بعضهم البعض في حاجاتهم، وعدم مراعاة أوضاعهم ومشاكلهم.

قال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

البقرة : 278

2- الاحتكار

قال الله تعالى:

﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ﴾

الحشر:٧

بين تعالى أنه لا يريد أن يجعل المال دولة بين الأغنياء فحسب، أي يتداولونه دون غيرهم، بل يريد أن يجعل المال دولة بين الناس، والاحتكار من أعظم الأسباب التي تجعل المال دولة بين الأغنياء، يتحكمون به في قوتهم، ويحددون سعر بيعه لهم.

3- الرشوة

وقد حرم الإسلام أكل أموال الناس بالباطل

قال الله تعالى:

﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

البقرة: ١٨٨

ولا يأكل بعضكم مال بعض بسبب باطل كاليمين الكاذبة، والغصب، والسرقة، والرشوة، والربا ونحو ذلك، ولا تلقوا بالحجج الباطلة إلى الحكام؛ لتأكلوا عن طريق التخاصم أموال طائفة من الناس بالباطل، وأنتم تعلمون تحريم ذلك عليكم.

4- السفه

ومن حماية القرآن الكريم للاقتصاد من عوامل إفساده ، حمايته من تصرفات السفهاء.

قال الله تعالى:

﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾

النساء:٥

السفيه هو من لا يحسن التصرف في المال، إما لعدم عقله كالمجنون والمعتوه، ونحوهما، وإما لعدم رشده كالصغير وغير الرشيد. فنهى الله الأولياء أن يؤتوا هؤلاء أموالهم خشية إفسادها وإتلافها؛ لأن الله جعل الأموال قيامًا لعباده في مصالح دينهم ودنياهم، وهؤلاء لا يحسنون القيام عليها وحفظها.

وفي سياق حماية الاقتصاد من السفه، أمر الله تعالى بحفظ مال اليتيم.

قال الله تعالى:

﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾

النساء:٦

أي: اختبروا اليتامى المقاربين للرشد، فإن تبين رشدهم وصلاحهم في أموالهم، وبلغوا النكاح، فادفعوا إليهم أموالهم كاملة.

5- الإسراف

ومن حماية القرآن الكريم للاقتصاد من عوامل إفساده: حمايته من الإسراف.

قال الله تعالى:

﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴾

الإسراء:٢٩

ولا تمسك يدك عن الإنفاق ، مضيِّقًا على نفسك وأهلك والمحتاجين، ولا تسرف في الإنفاق، فتعطي فوق طاقتك، فتقعد ملومًا يلومك الناس ويذمونك، نادمًا على تبذيرك وضياع مالك.

قال الله تعالى:

﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾

الأعراف: ٣١

فإن السرف يبغضه الله، ويضر بدن الإنسان ومعيشته، حتى إنه ربما أدت به الحال إلى أن يعجز عما يجب عليه من النفقات، ففي هذه الآية الكريمة الأمر بتناول الأكل والشرب، والنهي عن تركهما، وعن الإسراف فيهما

6- التعامل في المحرمات

ومن حماية القرآن الكريم للاقتصاد من عوامل الفساد، حمايته من التعامل في المحرمات، كالخمر والميسر والقمار والمخدرات وغيرها، لما فيها من مفاسد عظيمة عليه وعلى المجتمع .

قال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ  فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾

المائدة:٩٠-٩١

بين تعالى المفاسد المتعلقة بالخمر والميسر، فمنها ما يتعلق بالدنيا من إثارة العداوة والبغضاء بين الناس، مما يفضي بهم إلى أحوال مذمومة من الهرج والمرج والفتن، وكل ذلك فيه إضاعة لمصالحهم وتشويش لحياتهم، ومنها ما يتعلق بالدين وهو الصد عن ذكر الله والصلاة.

7- كنز المال

ومن حماية القرآن الكريم للاقتصاد من عوامل الفساد، حمايته من كنز المال وعدم أداء حقوقه، فالمال المكنوز لا ينتفع به، ولا يساهم في إنعاش الاقتصاد وتحسينه، ويحرم من المشاركة في العملية الإنتاجية بسبب طمع صاحبه وحرصه.

قال الله تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ  هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾

التوبة :٣٤-٣٥

فتوعد الله تعالى من يكنزون أموالهم، أي: يمسكونها عن النفقة الواجبة، كأن يمنع منها الزكاة أو النفقات الواجبة للزوجات، أو الأقارب، أو النفقة في سبيل الله إذا وجبت.

7- الاقتصاد والأخلاق

          في

    القرءان الكريم

يوضح القرآن الكريم العلاقة بين الاقتصاد والأخلاق ومدى ارتباطهما الوثيق، في الكثير من الآيات ، ومن ذلك

أ- بين القرآن أن الإيمان والتقوى والعمل الصالح سببًا لنمو الاقتصاد وزيادة الإنتاج ، فيبارك الله في أرزاق العباد وحياتهم .

قال الله تعالى :

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

الأعراف: ٩٦

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴾

نوح:١٠-١٢

ب – بين القرآن أنه لا يجوز أبدًا تقديم المصلحة والغرض الاقتصادي على رعاية الفضائل التي يدعو إليها الدين، كما يبين أن اعتبار تلك الأخلاق في الاقتصاد هو أمر واجب، حتى ولو أدى ذلك إلى نقصان أو خسارة فيه .

قال الله تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

الجمعة: ٩

ولا شك أن استمرار الناس يبيعون ويشترون في كل وقت فيه كسب خاص لهم، وإنعاش للحركة الاقتصادية على العموم، لكن القرآن يأمر المؤمنين في يوم الجمعة، إذا سمعوا النداء أن يوقفوا دولاب العمل، ويعطلوا كل بيع وشراء ليسعوا إلى ذكر الله، وأداء فرضه الأسبوعي .

ت – بين القرآن أنه لا يجوز لنا في سبيل تنمية اقتصادنا أن ننسى أوامر ربنا وطاعته.

قال الله تعالى :

﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ﴾

النور:٣٧

﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

البقرة:١٨٨

ج – بين القرآن بعض الأخلاق الفاضلة التي يلتزم بها المسلم في الاقتصاد، كالصدق والعدل، وعدم الكذب والغش والخداع.

قال الله تعالى :

﴿ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

الأعراف:٨٥

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ . الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ . وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴾

المطففين :١-٣

فتوعد الله تعالى المطفف الذي يبخس الناس حقهم، ونهى عن ذلك.

س – بين القرآن بعض أوجة الفساد في الاقتصاد بسبب ما يقترفه البشرمن المعاصي .

قال الله تعالى :

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

الروم :41

ظهر الفساد في البر والبحر، كالجدب وقلة الأمطار وكثرة الأمراض والأوبئة؛ وذلك بسبب المعاصي التي يقترفها البشر؛ ليصيبهم بعقوبة بعض أعمالهم التي عملوها في الدنيا؛ كي يتوبوا إلى الله -سبحانه- ويرجعوا عن المعاصي، فتصلح أحوالهم، وتستقيم أمورهم.

Share This