1- مفهوم هجر القرآن

هجر القرآن الكريم هو الابتعاد عنه وترك تلاوته وتدبّر آياته وأحكامه، وعدم تطبيق أوامره وما جاء فيه، واللهو عنه ونسيانه، والافتراء بكلامٍ ليس فيه بغير حق، وعدم الإيمان اليقينيّ به .

قال الله تعالى:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ )

النساء 136

2- التحذير من

  هجران القرآن

‏ جاءت النصوص الكريمة ترشد الأمة إلى تعاهد القرآن بالتلاوة والتدبر، وتحذر كل الحذر من التقصير في حقِّه، أو هجران تلاوته والعمل به.‏ ‎‎ وتوعّد الله سبحانه الذين يعرضون عنه

قال الله تعالى:

( وقد آتيناك من لدنا ذكراً . من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً . خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا )

طه : 99-101

ثم صوّر حالة ذلك المعرض في الدنيا ويوم القيامة

قال الله تعالى:

( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا . ونحشره يوم القيامة أعمى )

طه : 123-124

‎‎ ولقد حكى الله عز وجل شكوى الرسول الله صلى الله عليه وسلم لربه هجران قومه للقرآن

قال الله تعالى:

 ( وقال الرسول ياربِّ إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا )

 الفرقان : 30‏

أي: جعَلوه متروكًا مُقاطَعًا، مرغوبًا عنه .

3- مظاهرهجر القرآن الكريم

هناك أنواعٌ ومظاهر عديدة لهجر القرآن الكريم بعضها أشدُّ من بعض، منها ما يلي:

1-  هجران التلاوة والقراءة

مما لا شك فيه أن تلاوة القرآن من أقرب القربات، لذا ينبغي على المسلم أن يحافظ على تلاوته، وأن يكثر من ذلك

قال الله تعالى:

( اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ )

العنكبوت:45

( وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ )

الكهف :27

وقوله عن النبي عليه السلام

قال الله تعالى:

( وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ )

النمل :91-92

2- هجران الاستماع

هجر سماعه والإصغاء إليه هوعدم احترامه بإكثار اللهو والكلام واللغو أثناء تلاوته.

قال الله تعالى:

﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾

الأعراف 204

﴿ إنَّ في ذلكَ لَذكرى لِمن كانَ لهُ قلبٌ أو ألقى السّمعَ وهوَ شهيدٌ ﴾

ق 37

3- هجران العمل

هجر العمل بما جاء به بعدم تطبيق أوامره واجتناب نواهيه؛ فالقرآن الكريم كتابٌ نزل حتى يكون منهج حياةٍ للمؤمن.

قال الله تعالى:

﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ  ﴾

الأنعام: 155

 ( اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ )

الأنعام 106

( اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ )

الأعراف  3

4- هجران التحاكم إليه

فقد أنزل الله عزَّ وجلَّ كتابه الكريم حتى يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه،

قَال الله تعالى:

( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾

المائدة 49

( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ )

النساء 105

ونهاهم سبحانه عن التحكيم أو التحاكم إلى غير القرآن

قَال الله تعالى:

( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾

الشورى10

فالقرآن الكريم هو دستور المسلمين، وهو الحكم فيما اختلفوا فيه من أمور دينهم ودنياهم، فلا يجوز هجره لابتغاء الحكم في غيره .

5- هجران التدبّر

فتدبر القرآن الكريم وتفهمه وتعقل معانيه مطلب شرعي، دعا إليه القرآن

قَال الله تعالى:

﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ  ﴾

ص: 29

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾

محمد 24

6- هجران طلب الشفاء بالقرآن الكريم

فالقرآن الكريم شفاء لما في القلوب من أهواء وأحقاد وأمراض .

قَال الله تعالى:

﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

الإسراء : 82

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ﴾

يونس :57

4- أسباب هجر القرآن الكريم

هناك الكثير من الأسباب والعوامل التي تلعب دورًا في بعد المسلم عن القرآن الكريم وهجرهم له، من أبرزها ..

– ضعف الإيمان بالله سبحانه

فضعف الإيمان يؤدي إلى فتور صاحبه عن العمل الصالح وعن الطاعات، والتي من ضمنها تلاوة القرآن الكريم.

قَال الله تعالى:

﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾

الحشر: 21

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

يونس : 57

– الانشغال بالأمور الدنيويّة

وتتركّز هذا النّقطة بحب الدنيا وإيثارها على الآخرة، كالانشغال بالعمل أو قراءة الروايات وتصفّح المواقع، وغيرها الكثير من الأمثلة.

قَال الله تعالى:

﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا  وَذَكِّرْ بِهِ ﴾

الأنعام 70

﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾

الأعراف 51

– كثرة المعاصي

الإكثار من المعاصي والذّنوب توجد حاجز بين فاعلها وبين قراءة القرآن الكريم، وعمل الصالحات عمومًا.

قال الله تعالى:

 ( وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا )

الأنعام : 25

– عدم تقدير القرآن الكريم

البعض لا يشعر بقيمة القرآن الكريم، ولا يعرف فضل تلاوته وتدبّره والعمل بمقتضى آياته.

قال الله تعالى:

( إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ )

الإسراء : 9

( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ )

فصلت : 44

– إهمال تربية النّشء على أهميّة القرآن الكريم

قد يركّز الآباء على أهميّة التعليم، وتعليم أبنائهم أساسيّات النظافة والعناية بالنّفس دون أن يولوا ولو القليل من الاهتمام لتعليم أبنائهم خطورة هجر القرآن الكريم، وكذلك عدم كونهم مثلًا أعلى يحتذي به الأبناء في تحديد ورد يومي لتلاوته، والاحتكام إليه، وتدبّر معانيه، فالأبناء بتعلّمون بالتقليد والمحاكاة أكثر من التلقين.

– عدم التخلي عن موانع الفهم

وذلك بأن يكون همّ القارئ تطبيق أحكام التجويد وإخراج الحروف من مخارجها مع غفلته عن تدبّر الآيات والمقصود من معانيها، أو التعصّب لمذهب ما في القراءة وتقليده، مما يجعل الذهن منصرفاً عن الفهم والتدبر.

5- آثار هجر القرآن الكريم

ولنعلم جميعاً أن لهجر القرآن آثاراً سلبية على المسلم والمجتمع، فعلى المسلم أن يتنبه لها ومن هذه الآثار

– قسوة القلوب

فالقرآن الكريم سبيلا لترقيق القلب القاسي ووسيلة لتحقيق الطمأنينة .

قال الله تعالى:

 ( أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ )

الرعد 28

– انتشار الأمراض النفسية

كحالات الاكتئاب والقلق وغير ذلك ، مما يؤدي إلى انخراط الناس في قائمة المدخنين ومتعاطي المخدرات والخمور ، وممارسة الجرائم المختلفة ، وقد يتوج ذلك بحالات الانتحار والعياذ بالله

قال الله تعالى:

( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا )

طه24

– أنتشارالضلالات والأهواء والعمل بها

إذ أن الإعراض عن كتاب الله سيتبعه العمل وفقاً للأهواء والشهوات؛ فتزيد البدع والضلالات.

قال الله تعالى:

( وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا )

الكهف 28

أي : وآثَرَ هواه على طاعة مولاه، وصار أمره في جميع أعماله ضياعًا وهلاكًا.

قال الله تعالى:

 ( إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ )

الإسراء : 9

– تفكك المجتمع وانحلال روابطه

قال الله تعالى:

( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا )

الطلاق 8

وكثير من القرى عصى أهلها أمر الله ورسله وتمادَوا في طغيانهم وكفرهم، فحاسبناهم على أعمالهم في الدنيا حسابًا شديدًا، وكان عاقبة كفرهم هلاكًا وخسرانًا لا خسران بعده.

قال الله تعالى:

( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ )

الأنعام 123

جعلنا في كل قرية مجرمين يتزعمهم أكابرهم؛ ليمكروا فيها بالصد عن دين الله، وما يكيدون إلا أنفسهم، وما يُحِسُّون بذلك.

– فقدان صاحبه حفظ الله تعالى وحمايته له

حيث إن ذكر الله تعالى هو خيرُ حافظٍ للمؤمن

قال الله تعالى :

( فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ )

يوسف 64

أن هاجر القرآن يشعر بالقلق الدائم، والتوتُّر في الحياة، حيث يخلو قلبه من النور الذي يستضيء به في حياته، والمعين الذي يبدد به الهموم والأحزان.

6- وأخيراً

تصور الناس القرآن كتابا عزيز المنال، بعيداً عن الأفهام، فهابوه ويئسوا من الوصول إلى معانيه ، وتقبلوا فيه وساطة هؤلاء المحتكرين، وتلقفوا من أفواهم ما جادوا به عليهم، فصاروا لا يعرفون القرآن إلا على نحو من الأنحاء الآتية:

ـ التعبد بتلاوته

مجردة عن التدبر والاعتبار لاتعدو أن تكون حركات لفظية تضطرب بها الشفاه، وتغمغم بها الخياشيم ومن وراء ذلك قلوب عليها أقفالها.

ـ التبرك به

فاتخذوا منه التمائم والأحجبة والرقي والتعاويذ!

ـ استنزال الرحمة به على موتاهم

فجعلوا يستأجرون لذلك القراء المحترفين ليقرأوه في البيوت أحياناً وعلى القبر أحياناً لقاء أجر معلوم،ومال مقسوم.

ـ التماسه دواء للأمراض والعلل الجسمية

عن طريق تلاوته أو كتابته أو التبخير به أو محوه بالماء ثم شربه.

ـ اتخاذه وسيلة لاستدرار عطف الغادين والرائحين

فتسولوا به في الطرقات وأمام المساجد وعلى أبواب البيوت في صور تنافي الكرامة ولا تتفق مع التقديس.

وهكذا أخذوا ينتفعون بالقرآن، أو بعبارة أدق يستغلون القرآن على هذه الأوضاع المزرية التي لا تليق بكتاب أنزله الحكيم العليم ليخرج الناس من الظلمات إلى النور. وهكذا هانت على المسلمين أحكام القرآن،بل هانت على المشتغلين به أنفسهم .

Share This