1- مفهوم الكسب

هوما يتحصَّل عليه الإنسانُ من نفع أو ضرر نتيجة لما يعمل .

قال الله تعالى:

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ﴾

الروم 41

ظهر الفساد في البر والبحر، كالجدب وقلة الأمطار وكثرة الأمراض والأوبئة؛ وذلك بسبب المعاصي التي يقترفها البشر .

2- كلمة الكسب

     في

القرآن الكريم

وردت كلمة (كسب) وصيغها في القرآن الكريم (67) مرة. والصيغ التي وردت، هي:

– الفعل الماضي

ورد  43  مرة

قال الله تعالى:

﴿ مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾

المسد:٢

– الفعل المضارع

ورد 24 مرة

قال الله تعالى:

﴿ وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ﴾

النساء:١١١

وجاء الكسب في القرآن على أربعة أوجه :

–1الرشوة

قال الله تعالى:

﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ﴾

البقرة: ٧٩

يعني : يرتشون

2– الولد

قال الله تعالى:

﴿ مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾

المسد: ٢

يعني: وما ولد

3 – الجمع

قال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ﴾

البقرة: ٢٦٧

أي: مما جمعتم.

4 – العمل

قال الله تعالى:

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾

البقرة: ٢٨٦

أي: عملت.

3 – الكلمات ذات الصلة

     بكلمة الكسب

– الكدح

سعي وكدّ الإنسان وعمله باجتهاد في أمور من خير وشر.

قال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ﴾

الانشقاق 6

يا أيها الإنسان إنك ساعٍ إلى الله، وعامل أعمالا من خير أو شر، ثم تلاقي الله يوم القيامة، فيجازيك بعملك بفضله أو عدله.

– الخسران

هو فقدان الأعمال والأموال والأهل والأجر والثواب في الدنيا والآخرة، بسبب ضلال السعي والانحراف عن دين الله.

قال الله تعالى:

﴿ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾

الحج 11

وخسر الآخرة بدخوله النار، وذلك خسران بيِّن واضح.

– الإضاعة

عدم حفظ  الشيء وتركه يذهب سُدىً .

قال الله تعالى:

﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ ﴾

آل عمران 195

فأجاب الله دعاءهم بأنه لا يضيع جهد مَن عمل منهم عملا صالحًا ذكرًا كان أو أنثى .

4 – سنن الله تعالى

   في الكسب

هناك علاقة وطيدة بين السنن الإلهية وما يتحصَّل عليه الإنسانُ من وراء

كسبة إن كان خير أو شر .

1- الله تعالى محيط

بكل شيء علما

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾

آل عمران: ٥

﴿ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾

طه: ٧

إن علم الله عز وجل محيط بكل شيء، لا يخفى عليه شيء؛ فهو عالم بما كان وما يكون .

2- علم الله تعالى بكسب

العباد من خير وشر

ومن هذا العلم كسب الإنسان خيرًا كان أم شرًّا .

قال الله تعالى:

﴿ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾

الرعد: ٤٢

﴿ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴾

الأنعام: ٣

والله سبحانه هو الإله المعبود في السموات والأرض. ومن دلائل ألوهيته أنه يعلم جميع ما تخفونه -أيها الناس- وما تعلنونه، ويعلم جميع أعمالكم من خير أو شر؛ ولهذا فإنه -جلَّ وعلا- وحده هو الإله المستحق للعبادة.

3- كسب العباد في المستقبل

غيب لا يعلمه إلا الله

قال الله تعالى:

﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾

الأنعام: ٥٩

هذه الآية العظيمة، من أعظم الآيات تفصيلًا لعلمه المحيط، وأنه شامل للغيوب كلها .

قال الله تعالى:

﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ﴾

لقمان: ٣٤

ومن هذه الغيوب ما يكسبه العباد في المستقبل .

4- كلٌّ مرهون بكسبه

قال الله تعالى:

﴿ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾

الطور: ٢١

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾

المدثر: ٣٨

﴿ وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ﴾

النساء: ١١١

﴿ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴾

الأنعام: ١٦٤

﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ﴾

النور: ١١

﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

البقرة: ١٣٤

في هذه الآيات تحديد المسئولية، حيث لا يؤخذ أحد بجرم غيره، ولن يخشى البريء أن يلقى عليه جرم المجرم، فإن أمر القضاء إلى عليم حكيم، يعلم عمل كل عامل من خير أو شر، فيجزى بالخير خيرًا، وبالشر شرًّا، كما يقضي بذلك عدله، وحكمته.

5- العدل في الجزاء

قال الله تعالى:

﴿ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

الجاثية: ٢٢

﴿ الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾

غافر: ١٧

﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

البقرة: ٢٨١

﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

آل عمران: ٢٥

وخَلَق الله السموات والأرض بالحق والعدل والحكمة؛ ولكي تجزى كل نفس في الآخرة بما كسبت مِن خير أو شر، وهم لا يُظْلمون جزاء أعمالهم

قال الله تعالى:

﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

يس: ٦٥

ومن عدل الله حين ينكر أصحاب الذنوب الأعمال التي ارتكبوها أنه يجعل من أعضائهم من تشهد عليهم

6- الله تعالى سريع الحساب

قال الله تعالى:

﴿ لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾

إبراهيم: ٥١

ولقد بين المولى سبحانه وتعالى عدله وسرعة حسابه وأن الحساب لا يبطئ؛ لأنه لا يشغله حساب عن حساب، فيحاسب الخلق كله في وقت واحد، وهو أسرع الحاسبين.

7- الجزاء على الكسب المتعمد

قال الله تعالى:

﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾

البقرة: ٢٢٥

من عدل الله ورحمته بالعباد أنه لا يؤاخذهم إلا بما تعمدوه من الأعمال، دون تلك التي تحدث من غير قصد .

8- عدم المعاجلة بالعقوبة

قال الله تعالى:

﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَٰكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا ﴾

فاطر: ٤٥

﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا ﴾

الكهف: ٥٨

إن الله سبحانه وتعالى بحلمه ومغفرته وسعة رحمته يمهل الكفرة والظلمة والعصاة والمجرمين ولا يعاجلهم بالعذاب، ولو عاجلهم به لأهلكهم جميعًا، حتى لا يبقى على وجه الأرض أحد، ومن الحكمة في عدم المعاجلة بالعقوبة أن الكفرة قد يؤمنون، وأن عصاة المؤمنين قد يتوبون ويستغفرون، ولكنه جعل لهم أجلًا لا مهرب لهم منه ولا محيد لهم عنه، فهو سبحانه وتعالى يملي للظلمة ويمهلهم ولكنه لا يهملهم، ويغفر للمؤمنين ما شاء أن يغفر.

9- عفو الله عن كثير من الكسب

قال الله تعالى:

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾

الشورى :٣٠

حيث بين المولى عز وجل في هذه الآية أنه ما تقع من مصيبة في الناس في هذه الدنيا سواء كان في الأنفس أو الأهل أو الأموال فإنما يكون ذلك عقوبة من الله بما اجترحوه من الآثام مع عفو الله عن كثير منها.

قال الله تعالى:

﴿ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ . أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ﴾

الشورى: ٣٣-٣٤

أي: وإن يشأ يجعل الرياح عواصف فيهلك تلك السفن ويغرقها بمن فيها، بسبب ذنوب أصحابها، وهو على ذلك قدير، ويعفو عن كثير من الذنوب والخطايا، فلا يؤاخذ بها؛ إذ لو آخذ بكل ذنب ما بقي أحد على وجه الأرض لقلة من لا يذنب فيها .

10- الجزاء العاجل والآجل

من حكمة الله في خلقه أنه يمهل ولا يهمل،

قال الله تعالى:

﴿ وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

الأنعام: ١٢٩

نسلِّط الظالمين بعضهم على بعض في الدنيا؛ بسبب ما يعملونه من المعاصي. فالعباد إذا كثر ظلمهم وفسادهم، ومنعهم الحقوق الواجبة، ولى عليهم ظلمة، يسومونهم سوء العذاب، ويأخذون منهم بالظلم والجور أضعاف ما منعوا من حقوق الله، وحقوق عباده، على وجه غير مأجورين فيه ولا محتسبين.

قال الله تعالى:

﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾

الرعد: ٣٣

أي: أيكون الله الذي هو قائم رقيب على كل نفس صالحة أو طالحة بما كسبت، يعلم خيره وشره، ويعد لكل جزاءه، كمن ليس كذلك.

5 – أنواع الكسب في القرآن

    وصور منه

أنواع الكسب في القرآن الكريم كثيرة ومتعددة، منها كسب الصالحات، وكسب السيئات وكسب الأموال.

1- كسب الصالحات

قال الله تعالى:

﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ  يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا  ﴾

الأنعام: ١٥٨

هل ينتظر الذين أعرضوا وصدوا عن سبيل الله إلا أن يأتيهم ملك الموت وأعوانه لقبض أرواحهم، أو يأتي ربك -أيها الرسول- للفصل بين عباده يوم القيامة، أو يأتي بعض أشراط الساعة وعلاماتها الدالة على مجيئها، فحين يكون ذلك لا ينفع نفسا إيمانها، إن لم تكن آمنت من قبل، ولا يُقبل منها إن كانت مؤمنة كسب عمل صالح إن لم تكن عاملة به قبل ذلك.

قال الله تعالى:

﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾

البقرة: ٢٠١-٢٠٢

ومن الناس فريق مؤمن يقول في دعائه: ربنا آتنا في الدنيا عافية ورزقًا وعلمًا نافعًا، وعملا صالحًا، وغير ذلك من أمور الدين والدنيا، وفي الآخرة الجنة، واصرف عنَّا عذاب النار. أولئك الداعون بهذا الدعاء لهم ثواب عظيم بسبب ما كسبوه من الأعمال الصالحة. والله سريع الحساب، مُحْصٍ أعمال عباده، ومجازيهم بها.

2- كسب السيئات

ومن صور كسب السيئات

أ – الكفروالشرك

قال الله تعالى:

﴿ بَلَىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

البقرة: ٨١

فحُكْمُ الله ثابت: أن من ارتكب الآثام حتى جَرَّته إلى الكفر، واستولت عليه ذنوبه مِن جميع جوانبه وهذا لا يكون إلا فيمن أشرك بالله، فالمشركون والكفار هم الذين يلازمون نار جهنم ملازمة دائمةً لا تنقطع.

ب – المستهزئين بآيات الله تعالى

قال الله تعالى:

﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ  ﴾

الأنعام: ٧٠

واترك – أيها الرسول- هؤلاء المشركين الذين جعلوا دين الإسلام لعبًا ولهوًا؛ مستهزئين بآيات الله تعالى، وغرَّتهم الحياة الدنيا بزينتها، وذكّر بالقرآن هؤلاء المشركين وغيرهم؛ كي لا ترتهن نفس بذنوبها وكفرها بربها، ليس لها غير الله ناصر ينصرها، فينقذها من عذابه، ولا شافع يشفع لها عنده .

ت – الظلم

قال الله تعالى:

﴿ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾

الزمر 24

وقيل يومئذ للظالمين: ذوقوا وبال ما كنتم في الدنيا تكسبون من معاصي الله.

ث- الغلول من الغنيمة

قال الله تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ  وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

آل عمران: ١٦١

وما كان لنبيٍّ أن يَخُونَ أصحابه بأن يأخذ شيئًا من الغنيمة غير ما اختصه الله به، ومن يفعل ذلك منكم يأت بما أخذه حاملا له يوم القيامة؛ ليُفضَح به في الموقف المشهود، ثم تُعطى كل نفس جزاءَ ما كسبت وافيًا غير منقوص دون ظلم.

ج – التولي يوم الزحف

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾

آل عمران: ١٥٥

إن الذين فرُّوا منكم – يا أصحاب- محمد عن القتال يوم التقى المؤمنون والمشركون في غزوة “أُحد”، إنما أوقعهم الشيطان في هذا الذنب ببعض ما عملوا من الذنوب، ولقد تجاوز الله عنهم فلم يعاقبهم. إن الله غفور للمذنبين التائبين، حليم لا يعاجل من عصاه بالعقوبة.

ح- كسب الذنوب والمعاصى عمومًا

كما قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾

النساء: ١١١

ومن يعمد إلى ارتكاب ذنب فإنما يضر بذلك نفسه وحدها، وكان الله تعالى عليمًا بحقيقة أمر عباده، حكيمًا فيما يقضي به بين خلقه.

د – اتهام الأبرياء والافتراء عليهم

قال الله تعالى:

﴿ وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾

النساء: ١١٢

ومن يعمل خطيئة بغير عمد، أو يرتكب ذنبًا متعمدًا ثم يقذف بما ارتكبه نفسًا بريئة لا جناية لها، فقد تحمَّل كذبًا وذنبًا بيّنا.

ومن هذا الإيذاء والافتراء إيذاء المؤمنين بغير ما اكتسبوا،

قال الله تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾

الأحزاب: ٥٨

والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بقول أو فعل من غير ذنب عملوه، فقد ارتكبوا أفحش الكذب والزور، وأتوا ذنبًا ظاهر القبح يستحقون به العذاب في الآخرة.

3- كسب الأموال

الكسب الطيب والمال الحلال من الأعمال الصالحة ، أما الكسب الخبيث فإنه شؤم وبلاء على صاحبه، فيحل على صاحبه غضب الله تعالى بسببه ، ثم هو لأوزاره محتمل وعليه معاقب. ومن صور كسب الأموال مايلى..

قال الله تعالى:

﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

غافر 82

أفلم يَسِرْ هؤلاء المكذبون في الأرض ويتفكروا في مصارع الأمم المكذبة من قبلهم، كيف كانت عاقبتهم؟ وكانت هذه الأمم السابقة أكثر منهم عددًا وعدة وآثارًا في الأرض من الأبنية والمصانع والغراس وغير ذلك، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبونه حين حلَّ بهم بأس الله.

قال الله تعالى:

﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

المائدة: ٣٨

أي: اقطعوا أيديهما جزاء لهما بعملهما وكسبهما السيِّئ نكالا وعبرة لغيرهما، ولا عبرة أعظم من قطع اليد، فهو الذي يفضح صاحبه طول حياته ويَسِمُهُ بميسم العار والخزي .

﴿ وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ . فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ. فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

الحجر 82- 84

وكانوا ينحتون الجبال، فيتخذون منها بيوتًا، وهم آمنون من أن تسقط عليهم أو تخرب.فأخذتهم صاعقة العذاب وقت الصباح مبكرين، فما دفع عنهم عذابَ الله الأموالُ والحصونُ في الجبال، ولا ما أُعطوه من قوة وجاه.

قال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ  وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ﴾

البقرة: ٢٦٧

أيها الذين آمنوا  أنفقوا من الحلال الطيب الذي كسبتموه ومما أخرجنا لكم من الأرض، ولا تقصدوا الرديء منه لتعطوه الفقراء .

قال الله تعالى:

﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ﴾

البقرة: ٧٩

فهلاك ووعيد شديد للذين يكتبون الكتاب بأيديهم، – أي مختلقاً من عندهم – ثم يقولون: هذا من عند الله وهو مخالف لما أنزل الله ؛ ليأخذوا في مقابل هذا عرض الدنيا. فلهم عقوبة مهلكة بسبب كتابتهم هذا الباطل بأيديهم، ولهم عقوبة مهلكة بسبب ما يأخذونه في المقابل من المال الحرام، كالرشوة وغيرها  .

Share This