مفهوم القتل في القرآن الكريم

1- مفهوم القتل

القتل هوإزالة الروح عن الجسد ، كالموت ، لكن إذا اعتبر بفعل المتولّي لذلك : يقال قتل. وإذا اعتبر بفوت الحياة : يقال موت ، فالقتل عمل به تتحقّق الممات .

2- كلمة قتل

    في

القرآن الكريم

وردت كلمة قتل وصيغها في القرآن الكريم ٩٩ مرة. والصيغ التي وردت هي:

– الفعل الماضي

ورد٣٦ مرة

قال الله تعالى:

﴿ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ﴾

النساء:٩٢

– الفعل المضارع

ورد41 مرة

قال الله تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ﴾

النساء:٩٢

– فعل الأمر

ورد10 مرات

قال الله تعالى:

﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ﴾

يوسف :٩

– المصدر

ورد10 مرات

قال الله تعالى:

﴿ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ﴾

الإسراء :٣٣

– مصدر(قتل)

ورد مرة واحدة

قال الله تعالى:

﴿ مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا ﴾

الأحزاب:٦١

– اسم المفعول

ورد مرة واحدة

قال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ﴾

البقرة:١٧٨

وجاء القتل في القرآن الكريم على وجهين:

– الفعل المميت للنفس

قال الله تعالى:

﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا ﴾

النساء: ٩٣

يعني: الفعل المؤدي إلى الموت.

– اللعن

قال الله تعالى:

﴿ قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ﴾

الذاريات: ١٠

يعني: لعنوا.

3- الكلمات ذات الصلة

    بكلمة قتل

– الموت

الموت هومفارقة الروح للجسد.

قال الله تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾

آل عمران: 145

– الوفاة

الوفاة هي أن يقبض الله النفس، وهي لا تستعمل إلا في الإنسان فقط

قال الله تعالى:

﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ﴾

الزمر: 42

– الذبح

هو أحد أنواع الذكاة، وعرف بأنه قطع جميع الحلقوم و(الشريانيين) اللذين يوصلان الدم لمخ الحيوان بآلة .

قال الله تعالى:

﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ﴾

البقرة : 67

4 – القتل والقضاء والقدر

الأصل في كل ما يصيب المرء أنه من قضاء الله تعالى وقدره، استنادًا إلى العديد من النصوص القرآنية، منها

قال الله تعالى:

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ﴾

التوبة: ٥١

وفي معرض القتل خاصة جاءت آية من كتاب الله تعالى لتفصل في قضية تخلف المتقاعسين عن الجهاد بحجة الخوف من القتل، وتبين خطأهم وفساد عقيدتهم في هذا الجانب.

قال الله تعالى:

﴿ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ  وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾

آل عمران : ١٥٤

يقولون: لو كان لنا أدنى اختيار ما قُتِلنا هاهنا. قل لهم: إن الآجال بيد الله، ولو كنتم في بيوتكم، وقدَّر الله أنكم تموتون، لخرج الذين كتب الله عليهم الموت إلى حيث يُقْتلون، وما جعل الله ذلك إلا ليختبر ما في صدوركم من الشك والنفاق، وليميز الخبيث من الطيب، ويظهر أمر المؤمن من المنافق للناس في الأقوال والأفعال. . والله عليم بما في صدور خلقه، لا يخفى عليه شيء من أمورهم.

قال الله تعالى:

﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾

آل عمران: ١٦٨

ففي الآية دليل على أن المقتول يموت بأجله خلافًا لمن يزعم أن القتل قطع على المقتول أجله.

قال الله تعالى:

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ  وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

البقرة:٢١٦

والقتل ليس شرًا محضًا، وإن كان الظاهر في القتل أنه شر للمقتول، ولكنه باعتبار علم الله تعالى، وقضائه وقدره، قد يشتمل على خير، والقتل في ذلك داخل في عموم كل ما يحصل للمرء .

5- أنواع القتل

    في

القرآن الكريم

ينقسم القتل إلى قتل بحق وقتل بغير حق، على هذا النحو:

أولًا- القتل بحق

القتل بحق هو القتل المشروع، الذي جاءت نصوص القرآن الكريم مبيحة له على سبيل الوجوب؛ ويشمل أنواعًا متعددة تندرج تحت ثلاث حالات:

1- القتل قصاصًا

قال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ﴾

البقرة: ١٧٨

يا أيها الذين آمنوا فرض الله عليكم أن تقتصوا من القاتل عمدا بقتله

2- القتل حدًا

شرع الإسلام في القرآن الكريم القتل في جريمة الحرابة

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا ﴾

المائدة: ٣٣

إنما جزاء الذين يحاربون الله، ويبارزونه بالعداوة، ويعتدون على أحكامه، وعلى أحكام رسوله، ويفسدون في الأرض بقتل الأنفس، وسلب الأموال، أن يُقَتَّلوا .

3- القتل جهادًا في سبيل الله

شرع الله تعالى القتال جهادًا في سبيله وإعلاء لكلمته، ونشرًا لدينه،ودفاعًا عن كليات الشرع من الدين والنفس والمال والعرض والعقل .

قال الله تعالى:

﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾

البقرة:١٩٠

فهذه الآية دالة على فرضية الجهاد

ثانيًا- القتل بغير حق

القتل بغير حق هو القتل الذي نهت عنه نصوص القرآن الكريم ، وهو ما لا تبيحه شريعة من الشرائع، ويترتب على ارتكابه عقوبة دنيوية، أو عذابًا في الآخرة ، ومن ذلك:

قال الله تعالى:

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾

الأنعام:١٥١

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾

الإسراء:٣٣

﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴾

الفرقان:٦٨

قال الله تعالى:

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ ﴾

البقرة:٨٤

واذكروا – يا بني إسرائيل- حين أَخَذْنا عليكم عهدًا مؤكدًا في التوراة: يحرم سفك بعضكم دم بعض

وصور القتل بغير حق التي نهت عنها آيات القرآن كثيرة، منها

١ – قتل الأنبياء والرسل

ذم الله تعالى اليهود بسبب ارتكابهم جرائم عدة منها قتل الأنبياء والرسل، وألبسهم سبحانه وتعالى ثوب الذلة والصغار لهذه الأفعال .

قال الله تعالى:

﴿ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾

آل عمران:١١٢

٢ – الانتحار

والانتحار محرم في الشريعة الإسلامية على جهة العموم، حيث لا يحل للمرء أن يقتل نفسه بأي حال من الأحوال

قال الله تعالى:

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾

النساء :٢٩

وذلك بارتكاب ما يؤدي إلى هلاكها

6 – دوافع القتل

      في

القرآن الكريم

تعددت دوافع القتل في القرآن الكريم ، منها الأتي

أولًا- مقاومة الاعتداء

قد يضطر الإنسان إلى قتل غيره مقاومة لعدوانه، ودفاعًا عن نفسه أو عرضه أو ماله، وهذا نوع من القتل المشروع عند الضرورة، فإذا تعرض إنسان لاعتداء وجب دفعه، ولكن مع مراعاة أن لا يلجأ إلى الأشد إلا بعد استنفاذ ما هو دونه من وسائل الدفاع، وهذا مستفاد من النصوص القرآنية

قال الله تعالى:

﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾

البقرة:  ١٩٠

وقاتلوا – أيها المؤمنون – لنصرة دين الله الذين يقاتلونكم ، ولا تعتدوا عليهم بالابتداء بالقتال ،  إن الله لا يحب الذين يجاوزون حدوده، فيستحلون ما حرَّم الله .

ثانيًا- خوف الفقر

اعتادت بعض قبائل العرب قتل أولادهم خشية الإملاق أي: الفقر، وجاءت آيات القرآن الكريم تنهى عن قتل الأولاد خشية الفقر، أو قتلهم بسبب الفقر،

قال الله تعالى:

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ﴾

الأنعام :١٥١

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا ﴾

الإسراء: ٣١

وإذا علمتم أن الرزق بيد الله سبحانه فلا تقتلوا -أيها الناس- أولادكم خوفًا من الفقر؛ فإنه -سبحانه- هو الرزاق لعباده، يرزق الأبناء كما يرزق الآباء، إنَّ قَتْلَ الأولاد ذنب عظيم.

ثالثًا- خوف العار

انتشر في العرب قبل الإسلام قتل البنات، أو وأدهن أحياء خشية الوقوع في السبي، مما يلحق العار بالآباء، ولما كان ذلك مرضًا عضالًا منتشرًا لديهم فقد جاء القرآن الكريم بتحريمه في آيات عدة.

قال الله تعالى:

﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ . يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ﴾

النحل :٥٨-٥٩

وإذا جاء مَن يخبر أحدهم بولادة أنثى اسودَّ وجهه؛ كراهية لما سمع، وامتلأ غمًّا وحزنًا. يستخفي مِن قومه كراهة أن يلقاهم متلبسًا بما ساءه من الحزن والعار؛ بسبب البنت التي وُلِدت له، ومتحيرًا في أمر هذه المولودة: أيبقيها حية على ذلٍّ وهوان، أم يدفنها حية في التراب؟

قال الله تعالى:

﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ . بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾

التكوير:٨-٩

وإذا الطفلة المدفونة حية سُئلت يوم القيامة سؤالَ تطييب لها وتبكيت لوائدها: بأيِّ ذنب كان دفنها؟

رابعًا- الطغيان والفساد

الذي يقتل امرأ بدون وجه حق، يعتبر متعديًا عليه، ومفسدًا في الأرض، وبالتالي يستحق العقوبة الرادعة وهي القتل

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا ﴾

المائدة : ٣3

إنما جزاء الذين يحاربون الله، ويبارزونه بالعداوة، ويعتدون على أحكامه، وعلى أحكام رسوله، ويفسدون في الأرض بقتل الأنفس، وسلب الأموال، أن يُقَتَّلوا،

خامسًا – الحسد

قد يلجأ المرء إلى قتل غيره ظلمًا وعدوانًا بسبب الحسد له على نعمة أوتيها، أو منزلة بلغها، أو فضل تحصل عليه، وهذا من قبح الصنيع وسوء الطوية، ولقد كانت أول جريمة قتل باء بها أحد من بني آدم على ظهر الأرض بسبب الحسد، ألا وهي جريمة قتل قابيل لهابيل التي وردت في القرآن الكريم.

قال الله تعالى:

﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ . لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ . إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ. فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ . فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ﴾

المائدة: ٢٧ – ٣1

وخلاصة القصة ما نصت عليه آيات القرآن الكريم، أن ابني آدم قدم كل واحد منهما قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، فحسد المرفوض قربانه أخاه المقبول فقتله.

سادسا – السفه والطيش

ذم القرآن الكريم العرب في قتلهم أولادهم تحت دوافع واهية وحجج لا اعتبار لها.

قال الله تعالى:

﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾

الأنعام:١٤٠

قد خسر وهلك الذين قتلوا أولادهم لضعف عقولهم وجهلهم ، وجهلهم بأن الله هو رازق أولادهم، لا هم.

7- آثار القتل

      في

القرآن الكريم

لما كان القتل على نوعين: قتلٌ بحقٍ وقتلٌ بغير حقٍ على نحو ما تقدم ذكره، فإنه تترتب بعض الآثار على كل نوع منهما بيانها على النحو الآتي:

أولًا- آثار القتل بحق

1- إحياء النفوس

يترتب على القتل بحق قصاصًا لحفظ النفس، وهو أحد مقاصد الشريعة، مما يؤدي إلى تحقيق العدالة في المجتمع، وإحياء النفوس عن الإهدار

قال الله تعالى:

﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

البقرة:١٧٩

ولكم في تشريع القصاص وتنفيذه حياة آمنة يا أصحاب العقول السليمة؛لأن القاتل إذا علم أنه يُقتل ارتدع فأحيا نفسه ومن أراد قتله ؛فشرع لكم ذلك رجاء تقوى الله وخشيته بطاعته دائمًا.

ثانيًا- آثار القتل بغير حق

يترتب على القتل بغير حق آثار في الدنيا وآثار في الآخرة، بيانها على النحو الآتي:

1- القتل بغير حق يترتب عليه القصاص

على نحو ما هو مبسوط في موضعه من مبحث عقوبة القتل.

قال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى  ﴾

البقرة  178

2- القتل بغير حق (القتل العمد ﴾ يترتب على خمس عقوبات أخروية وردت في آية واحدة من كتاب الله تعالى

قال الله تعالى:

﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾

النساء:٩٣

3- يترتب على القتل بغير حق الإفساد في الأرض

قال الله تعالى:

﴿ مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾

المائدة: ٣٢

بسبب جناية القتل هذه شَرَعْنا لبني اسرائيل أنه من قتل نفسا بغير سبب من قصاص، أو فساد في الأرض بأي نوع من أنواع الفساد، الموجب للقتل كالشرك والمحاربة فكأنما قتل الناس جميعًا فيما استوجب من عظيم العقوبة من الله، وأنه من امتنع عن قَتْل نفس حرَّمها الله فكأنما أحيا الناس جميعًا؛ فالحفاظ على حرمة إنسان واحد حفاظ على حرمات الناس كلهم.

4 – يترتب على القتل بغير حق قطع الأرحام بين الناس

قال الله تعالى :

﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴾

محمد: ٢٢

فلعلكم إن أعرضتم عن كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن تعصوا الله في الأرض، فتكفروا به وتسفكوا الدماء وتُقَطِّعوا أرحامكم.

8- عقوبة القتل

     في

القرآن الكريم

لما كان القتل جريمة تهدم كيان الإنسان، الذي هو بنيان الله تعالى، فقد حرمته جميع الشرائع السماوية، وشرعت له العقوبة المناسبة بناء على تقسيمه إلى عمد وخطأ، وهو التقسيم الأساسي للقتل .

أولًا: عقوبة القتل العمد

حرمت نصوص الشريعة الإسلامية القتل العمد

قال الله تعالى :

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾

الأنعام:١٥١

ورتب القرآن الكريم عليه العقوبة الدنيوية والأخروية

أ – العقوبة للقتل العمد في الدنيا

هي القصاص الوارد في أكثر من موضع من كتاب الله تعالى

قال الله تعالى :

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ  ﴾

الإسراء:٣٣

ولا تقتلوا النفس التي حرم الله قَتْلها إلا بالحق الشرعي كالقصاص. ومن قُتِل بغير حق شرعي فقد جعلنا لولي أمره مِن وارث أو حاكم حجة في طلب قَتْل قاتله أو الدية، ولا يصح لولي أمر المقتول أن يجاوز حدَّ الله في القصاص كأن يقتل بالواحد اثنين أو جماعة، أو يُمَثِّل بالقاتل .

قال الله تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَىٰ بِالْأُنْثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

البقرة:١٧٨

يا أيها الذين  آمنوا فرض الله عليكم أن تقتصوا من القاتل عمدا بقتله، بشرط المساواة والمماثلة: يُقتل الحر بمثله، والعبد بمثله، والأنثى بمثلها. فمن سامحه ولي المقتول بالعفو عن الاقتصاص منه والاكتفاء بأخذ الدية -وهي قدر مالي محدد يدفعه الجاني مقابل العفو عنه- فليلتزم الطرفان بحسن الخلق، فيطالب الولي بالدية من غير عنف، ويدفع القاتل إليه حقه بإحسان، مِن غير تأخير ولا نقص. ذلك العفو مع أخذ الدية تخفيف من ربكم ورحمة بكم؛ لما فيه من التسهيل والانتفاع. فمَن قتل القاتل بعد العفو عنه وأَخْذِ الدية فله عذاب أليم بقتله قصاصًا في الدنيا، أو بالنار في الآخرة.

ب – العقوبة الأخروية للقتل العمد

قال الله تعالى :

﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾

النساء:٩٣

ومن يَعْتَدِ على مؤمن فيقتله عن عمد بغير حق فعاقبته جهنم، خالدًا فيها مع سخط الله تعالى عليه وطَرْدِهِ من رحمته، إن جازاه على ذنبه وأعدَّ الله له أشد العذاب بسبب ما ارتكبه من هذه الجناية العظيمة.

ثانيًا:عقوبة القتل الخطأ

عقوبات القتل الخطأ منها ما عقوبات أصلية كالدية والكفارة

قال الله تعالى :

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾

النساء :٩٢

ودلالة الأية صريحة في مشروعية الدية والكفارة في القتل الخطأ،سواء كان المقتول مسلمًا، أو معاهدًا.

9- الإعجاز التشريعي في القصاص

شرع الله عز وجل القصاص فيما يقع بين الناس من جنايات على النفس وعلى ما دون النفس، بنصوص صريحة في كتاب الله عز وجل ، والآيات التي تتناول القصاص في النفس وفيما دون النفس على هذا النحو

قال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَىٰ بِالْأُنْثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

البقرة :١٧٨

﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾

المائدة :٤٥

﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

البقرة:١٧٩

القصاص نظام من أنظمة العقوبات في الشريعة الإسلامية؛ وقد جعل الله هذا القصاص حياة ونكالًا وعظة لأهل السفه والجهل من الناس،  وإن بدا في ظاهره الصرامة والشدة إلا أنه بعيد كل البعد عن أن يكون تعذيبًا للجاني أو تنكيلًا به، فالقصاص من أنجع وسائل الردع العام وهو رحمة حازمة تحافظ على كيان المجتمع وتماسكه.

 

Share This