مفهوم الشفاعة في القرآن الكريم

1- مفهوم الشفاعة

الشفاعة هي السعي عٍند الغير لإيصال خيرٍ أو دفع شرٍ.

2- كلمة الشفاعة

      في

 القرآن الكريم

وردت كلمة (شفع) وصيغها في القرآن الكريم ٣١ مرة. والصيغ التي وردت، هي:

– الفعل المضارع

وردت ٥ مرات

قَال الله تعالى:

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾

البقرة:٢٥٥

– المصدر

وردت١٣ مرة.

قَال الله تعالى:

﴿ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾

سبأ:٢٣

– اسم الفاعل

وردت مرتين

قَال الله تعالى:

﴿ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ ﴾

الشعراء :١٠٠

– الصفة المشبهة

وردت ١٠ مرات

قَال الله تعالى:

﴿ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ﴾

السجدة:٤

– اسم

وردت مرة واحدة

قَال الله تعالى:

﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾

الفجر:٣

وجاءت الشفاعة في القرآن الكريم بمعني انضمام واحدٍ إلى آخر ناصرًا له ومسائلًا عنه .

3- الكلمات ذات الصلة

    بكلمة الشفاعة

– الوساطة

التوسط بين المتخاصمين أو المتعاملين لحل مشكلة بينهم .

– الوسيلة

ما يتقرب به إلى الغير بعمل أو بقول  لتحصيل المقصود .

قَال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾

المائدة : 35

– الاستغاثة

طلب النصرة عند الشدة أو الأزمة  .

قَال الله تعالى:

﴿ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ﴾

الكهف : 29

4 – أنواع الشفاعة

       في

 القرآن الكريم

تنقسم الشفاعة في القرآن الكريم إلى قسمين ،هَمِا

أولا – الشفاعة التي تكون في أمور الدنيا

1 –  بين الناس وبعضَهَمِ

الشفاعة في الدنيا بين الناس وبعضَهَمِ على نوعين:

أ- شفاعة مباحة

الشفاعة المباحة هي التوسط عند الآخرين لتخليص الحقوق أو دفع المظالم ودرئها، أو نحو ذلك من الحاجات المباحة. وقد ورد في الشرع الحنيف ما يبين إباحة مثل هذا العمل وجوازه .

قَال الله تعالى:

﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا ﴾

النساء: ٨٥

أي: من سعى في أمر، فترتب عليه خير، كان له نصيب من ذلك

ب – شفاعة محرمة

الشفاعة المحرمة هي كل وساطة في إبطال حق من الحقوق، أو إقرار باطل أو تعطيل حد من حدود الله تبارك وتعالى. . وقد ورد في الشرع الحنيف النهي عن مثل هذا العمل .

قَال الله تعالى:

﴿ وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ﴾

النساء: 85

2- بين الناس و الله  تعالى

لا شفاعة بين الله وخلقة

– مع نبي الله نوح

قَال الله تعالى:

( وَنَادَىٰ نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ. قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ  فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ  )

هود: 45-46

قال الله: يا نوح إن ابنك الذي هلك ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم وذلك بسبب كفره وعمله عملا غير صالح وإني أنهاك أن تسألني أمرًا لا علم لك به إني أعظك لئلا تكون من الجاهلين في مسألتك إياي عن ذلك

– مع نبي الله إبراهيم

قَال الله تعالى:

( فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ.  إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ .  يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ  وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ  )

هود : 74-76

فلما ذهب عن إبراهيم الخوف الذي انتابه لعدم أكل الضيوف الطعام، وجاءته البشرى بإسحاق ويعقوب، ظلَّ يجادل رسلنا فيما أرسلناهم به من عقاب قوم لوط وإهلاكهم. إن إبراهيم كثير الحلم لا يحب المعاجلة بالعقاب، كثير التضرع إلى الله والدعاء له، تائب يرجع إلى الله في أموره كلها. قالت رسل الله: يا إبراهيم أعرض عن هذا الجدال في أمر قوم لوط والتماس الرحمة لهم؛ فإنه قد حق عليهم العذاب، وجاء أمر ربك الذي قدَّره عليهم بهلاكهم، وإنهم نازل بهم عذاب من الله غير مصروف عنهم ولا مدفوع.

– مع نبي الله محمد

قَال الله تعالى:

( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ )

آل عمران : 128

ليس لك – أيها الرسول- من أمر العباد شيء، بل الأمر كله لله تعالى وحده لا شريك له، ولعل بعض هؤلاء الذين قاتلوك تنشرح صدورهم للإسلام فيسلموا، فيتوب الله عليهم. ومن بقي على كفره يعذبه الله في الدنيا والآخرة بسبب ظلمه وبغيه

قَال الله تعالى:

( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ  وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ )

التوبة 80

استغفر – أيها الرسول- للمنافقين أو لا تستغفر لهم، فلن يغفر الله لهم، مهما كثر استغفارك لهم وتكرر؛ لأنهم كفروا بالله ورسوله. والله سبحانه وتعالى لا يوفق للهدى الخارجين عن طاعته.

قَال الله تعالى:

﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ﴾

الزمر: 19

أفمن وجبت عليه كلمة العذاب؛ باستمراره على غيِّه وعناده، فإنه لا حيلة لك – أيها الرسول- في هدايته، أفتقدر أن تنقذ مَن في النار؟ لست بقادر على ذلك.

ثانيا – الشفاعة التي تكون في الآخرة

الشفاعة في الآخرة  وردت في القرآن الكريم في آيات كثيرة بعضها تنص على إثباتها وأخرى بنفيها، وهنا سوف نستعرض كلا الحالتين وذلك من خلال آيات القرآن الكريم .

﴿ أ ﴾ – الشفاعة المنفية

بين القرآن الكريم في الكثيرمن الآيات ، أن الله تعالى قد أخبر العديد من خلقة بنفي الشفاعة نفيا عامًا في الآخرة . ومَن تلك الفئات مايلى

1- عصاة المؤمنون

قَال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾

البقرة : ٢٥٤

يا أيها الذين آمنوا أخرجوا الزكاة المفروضة وتصدَّقوا مما أعطاكم الله قبل مجيء يوم القيامة حين لا بيع فيكون ربح ولا مال تفتدون به أنفسكم مِن عذاب الله ولا صداقة صديق تُنقذكم ولا شافع يملك تخفيف العذاب عنكم. . والكافرون هم الظالمون المتجاوزون حدود الله.

قَال الله تعالى:

﴿ وَأَنْذِر بِهِ اَلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا اِلَى رَبِّهِم لَيْسَ لَهُم مِنْ دُونِهِ وَلِيِّ وَلاَ شَفِيعٍ لَعَلَّهُم يَتَقُونَ ﴾

الأنعام : 51

وخوِّف – أيها النبي- بالقرآن الذين يعلمون أنهم يُحشرون إلى ربهم، فهم مصدِّقون بوعد الله ووعيده، ليس لهم غير الله وليّ ينصرهم، ولا شفيع يشفع لهم عنده تعالى، فيخلصهم من عذابه؛ لعلهم يتقون الله تعالى بفعل الأوامر واجتناب النواهي.

قَال الله تعالى:

﴿ وَذَرِ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُم اَلْحَيَاُة الدُّنْيَا وَذَكِّر بِه أَنْ تُبْلَسَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا  مِنْ دُونِ الله وَلِيِّ وَلاَ شَفِيعٍ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ اَلَّذِينَ أُبْلِسُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُم شَرَابٌ مِنْ حَمِيمِ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾

الأنعام: 70

واترك – أيها الرسول- الذين جعلوا دين الإسلام لعبًا ولهوًا؛ مستهزئين بآيات الله تعالى، وغرَّتهم الحياة الدنيا بزينتها، وذكّر بالقرآن هؤلاء وغيرهم؛ كي لا ترتهن نفس بذنوبها ، ليس لها غير الله ناصر ينصرها، فينقذها من عذابه، ولا شافع يشفع لها عنده، وإن تَفْتَدِ بأي فداء لا يُقْبَل منها. أولئك الذين ارتُهِنوا بذنوبهم، لهم في النار شراب شديد الحرارة وعذاب موجع؛ بسبب كفرهم بالله تعالى وبدينه.

2- الكفار

وأخبر الله تبارك وتعالى أن الكفار الذين يعبدون غيره ويأملون أن يشفعوا لهم، بأن ما يعبدون لا يملكون الشفاعة أصلًا .

قَال الله تعالى:

﴿ وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾

الزخرف: 86 – 89

ولا يملك الذين يعبدهم الكفار الشفاعة عنده لأحد إلا مَن شهد بالحق، وأقر بتوحيد الله وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم يعلمون حقيقة ما أقروا وشهدوا به.

3- المشركين

وحكى الله تبارك وتعالى قول المشركين وهم في النار خالدون، كيف يتحسرون ويتندمون على ما فرطوا، فلا إيمان ينجيهم، ولا عمل يخلصهم، ولا شافع يشفع لهم، ولا صديق ينقذهم، فتقطعت بهم السبل، وأحاط بهم اليأس .

قَال الله تعالى:

﴿ قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ . تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ . وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ . فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ . وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴾

الشعراء: 96 -101

4- بني إسرائيل

قَال الله تعالى:

﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ . وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ  ﴾

البقرة: 47- 48

﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ . وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾

البقرة : 122- 123

يا ذرية يعقوب تذكَّروا نعمي الكثيرة عليكم، واشكروا لي عليها، وتذكروا أني فَضَّلْتكم على عالَمي زمانكم بكثرة الأنبياء، والكتب المنزَّلة كالتوراة والإنجيل. وخافوا يوم القيامة، يوم لا يغني أحد عن أحد شيئًا، ولا يقبل الله شفاعة في الكافرين، ولا يقبل منهم فدية، ولو كانت أموال الأرض جميعًا، ولا يملك أحد في هذا اليوم أن يتقدم لنصرتهم وإنقاذهم من العذاب.

6- عن الظالمين

قَال الله تعالى:

﴿ الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ .  وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾

غافر: ١٨

اليوم تثاب كل نفس بما كسبت في الدنيا من خير وشر، لا ظلم لأحد اليوم بزيادة في سيئاته أو نقص من حسناته. إن الله سبحانه وتعالى سريع الحساب، فلا تستبطئوا ذلك اليوم؛ فإنه قريب. وحذِّر – أيها الرسول- الناس من يوم القيامة القريب، وإن استبعدوه، إذ قلوب العباد مِن مخافة عقاب الله قد ارتفعت من صدورهم، فتعلقت بحلوقهم، وهم ممتلئون غمًّا وحزنًا. ما للظالمين من قريب ولا صاحب، ولا شفيع يشفع لهم عند ربهم، فيستجاب له.

7- عن المجرمين

المجرمين هم من قطعوا كل صلة  لهم بربهم ، وهم ما نسميهم اليوم الملحدون .

قَال الله تعالى:

﴿  يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا . وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا . لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا ﴾

مريم : 85 – 7 8

يوم نجمع المتقين إلى ربهم الرحيم بهم وفودًا مكرمين. ونسوق المجرمين بالله سوقًا شديدًا إلى النار مشاة عِطاشًا. وليس لهؤلاء الكفار شفاعة ، إنما هي لمَنِ اتخذ عند الرحمن عهدًا بذلك، وهم المؤمنون بالله ورسله.

8 ـ المكذِّبون بيوم القيامة

عن الذين كذّبوا بيوم الدين وأنكروا القيامة  والحساب .

قَال الله تعالى:

﴿ كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ . حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ . فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾

المدثر: 46- 48

وكنا نكذب بيوم الحساب والجزاء، حتى جاءنا الموت، ونحن في تلك الضلالات والمنكرات. فما تنفعهم شفاعة الشافعين جميعًا من الملائكة والنبيين وغيرهم .

والظاهر من الآيات السابقة العموم أي أن النفوس يوم القيامة لا تنفعها شفاعة الشافعين، لكن سياق الآيات يدل على أن المراد بهذه النفوس التي لا تنفعها الشفاعات هي النفوس  التي لم تترك لعظم ذنبها مجالا لرحمة الله أن تحل بها، بواسطة أو دون واسطة .

﴿ ب ﴾ –  الشفاعة المثبتة

ورد في الكثير من آيات القرآن الكريم أن الله تعالى هو الحق ، وقد خلق السماوات والأرض بالحق ، ويوم القيامة هو يوم رد الحقوق .

قَال الله تعالى:

﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

الأعراف: 8

﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ﴾

الأنعام: 62

﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾

الأنعام: 73

﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

الزمر: 69

ولذلك قضى الله تعالى بما يحق الحق في الكثير من آيات القرآن الكريم

قَال الله تعالى:

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾

النساء : 123

ليس الأمر منوطا  بالأماني التي تتمنونها أيها المسلمون، ولا بأماني أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وإنما يُنال بالإيمان الصادق بالله تعالى، وإحسان العمل الذي يرضيه. ومن يعمل عملا سيئًا يجز به، ولا يجد له سوى الله تعالى وليّاً يتولى أمره وشأنه، ولا نصيرًا ينصره، ويدفع عنه سوء العذاب.

قَال الله تعالى:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾

الزلزلة: 7- 8

فمن يعمل وزن ذرة خيرًا، ير ثوابه في الآخرة، ومن يعمل وزن ذرة شرًا، ير عقابه في الآخرة.

ولكن الله تعالى يفتح ابواب رحمتة الواسعة لعباده

قَال الله تعالى:

( قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )

الزمر: 44

فالشفاعة لله جميعا وليس المالك الحقيقي لكل شي سوي الله،، فالأمر كله لله وحده ، له القدرة الكاملة والملك والسلطان علي جميع السموات والارض  ، ويتصرف فيهما، فالواجب أن تُطلب الشفاعة ممن يملكها، وأن تُخلص له العبادة، ولا تُطلب من هذه الآلهة التي لا تضر ولا تنفع، ثم إليه تُرجَعون بعد مماتكم للحساب والجزاء.

قال الله تعالى:

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾

البقرة : ٢٥٥

﴿ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾

يونس: ٣

﴿ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾

سبأ : ٢٣

والشفاعة التي أثبتها الله هي الشفاعة الصادرة عن إذنه فهو وحده الذي بيده تغييرما قضي لمن وحده وأطاعه . ولذلك قَد نفاها عن الأتي ذكرهم ..

أ – عن الملائكة

قَال الله تعالى:

 ( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ )

النجم : 26

وكثير من الملائكة في السموات مع علوِّ منزلتهم، لا تنفع شفاعتهم شيئًا إلا من بعد أن يأذن الله لهم بالشفاعة ويرضى عن المشفوع له .

قَال الله تعالى:

﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾

الأنبياء: ٢٨

وما من أعمال الملائكة عمل سابق أو لاحق إلا يعلمه الله سبحانه وتعالى، ويحصيه عليهم، ولا يتقدمون بالشفاعة إلا لمن ارتضى الله شفاعتهم له، وهم من خوف الله حذرون من مخالفة أمره ونهيه.

ب – عن الأنبياء

عن النبي محمد

قَال الله تعالى:

﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ . وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ  لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾

الأنعام: : 50 – 51

قل – أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: إني لا أدَّعي أني أملك خزائن السموات والأرض، فأتصرف فيها، ولا أدَّعي أني أعلم الغيب، ولا أدَّعي أني ملك، وإنما أنا رسول من عند الله، أتبع ما يوحى إليَّ، وأبلِّغ وحيه إلى الناس، قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: هل يستوي الكافر الذي عَمِي عن آيات الله تعالى فلم يؤمن بها والمؤمن الذي أبصر آيات الله فآمن بها؟ أفلا تتفكرون في آيات الله؛ لتبصروا الحق فتؤمنوا به؟ . وخوِّف – أيها النبي- بالقرآن الذين يعلمون أنهم يُحشرون إلى ربهم، فهم مصدِّقون بوعد الله ووعيده، ليس لهم غير الله وليّ ينصرهم، ولا شفيع يشفع لهم عنده تعالى، فيخلصهم من عذابه؛ لعلهم يتقون الله تعالى بفعل الأوامر واجتناب النواهي.

ج – عن الصالحين

قَال الله تعالى:

﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾

يونس: ١٨

ويعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لا يضرهم شيئًا، ولا ينفعهم في الدنيا والآخرة، ويقولون: إنما نعبدهم ليشفعوا لنا عند الله، قل لهم – أيها الرسول-: أتخبرون الله تعالى بشيء لا يعلمه مِن أمر هؤلاء الشفعاء في السموات أو في الأرض؟ فإنه لو كان فيهما شفعاء يشفعون لكم عنده لكان أعلم بهم منكم، فالله تعالى منزَّه عما يفعله هؤلاء المشركون من إشراكهم في عبادته ما لا يضر ولا ينفع.

د – لا تشفع نفس في نفس أخرى

أي لا تدافع نفس عن نفس أخرى، وتعزز موقفها وتأتي بجانبها، لأن كل نفس ستأتي بمفردها .

قَال الله تعالى:

Share This