1- مفهوم الخلق

الخلق في القرآن الكريم تأتي بمعنى التقدير أي تحديد الخصائص والأبعاد والطبائع، وهذا قبل الإيجاد الفعلي أوالتنفيذ ، وهذا ما تطلق عليه اللغة المعاصرة التصميم فالمهندس الذي يخلق بيتًا لا بد له في البداية من وضع التصاميم أو المخطط الكامل للبيت قبل الشروع في التنفيذ ليصبح شيئا مرئيا مجسمًا أمام الناس.

قال الله تعالى:

﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ﴾

الحشر: 24

إن الخالق هو المخرج الأشياء من العدم إلى الوجود، وإذا كان كل ما يخرج من العدم إلى الوجود يفتقر إلى تقدير أولاً، وإلى الإيجاد على وفق التقدير ثانياً، وإلى التصوير بعد الإيجاد ثالثاً .

2- كلمة الخلق

      في

  القرآن الكريم

وردت كلمة خلق وصيغها في القرآن الكريم ٢٥٢ مرة . والصيغ التي وردت هي:

– الفعل الماضي

ورد ١٥٧ مرة

قال الله تعالى:

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ ﴾

البقرة:٢٩

– الفعل المضارع

ورد 2٧ مرة

قال الله تعالى:

﴿ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّـهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾

آل عمران:٤٧

– اسم فاعل

ورد ١٢ مرة

قال الله تعالى:

﴿ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾

الرعد:١٦

– اسم مفعول

ورد  مرتين

قال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ﴾

الحج:٥

– مصدر

ورد ٥٢ مرة

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾

البقرة:١٦٤

– صيغة المبالغة

ورد  مرتين

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾

الحجر:٨٦

وجاء الخلق في القرآن الكريم على أربعة أوجه:

1- الدّين

قال الله تعالى:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ  ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

الروم: ٣٠

يعني : لدين الله

2- الكذب

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ﴾

العنكبوت: ١٧

يعني : تخرصون كذبًا

3- التصوير

قال الله تعالى:

﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي ﴾

المائدة: ١١٠

يعني:  وإذ تصوّر من الطين كهيئة الطير

4- الإيجاد

قال الله تعالى:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

الأنعام: ١

يعني:  أوجدهما ولم يكونا شيئًا.

3- الكلمات ذات الصلة

     بكلمة الخلق

– التصوير

التصوير في حق الله عز وجل هو جعل الشيء على هيئة معينة.

قال الله تعالى:

﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾

آل عمران: 6

– الذرء

الذرء هو خلق الذرية

قال الله تعالى:

﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ﴾

الشورى: 11

جعل لكم من أنفسكم أزواجًا؛ لتسكنوا إليها، وجعل لكم من الأنعام أزواجًا ذكورًا وإناثًا، يكثركم بسببه بالتوالد .

– الإنشاء

الإنشاء هو إيجاد الله تعالى لكل المخلوقات من عدم

قال الله تعالى:

﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾

الأنعام: 98

– البعث

البعث هو إحياء الله تعالى الأموات وإخراجهم من قبورهم وهم أحياء للحساب وللجزاء.

قال الله تعالى:

﴿ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾

الأنعام: 36

4- الخلق في حق الله تعالى

الله الذي له جميع صفات الكمال التي منها القدرة الشاملة على خلق المخلوقات، فهو وحده الذي أوجد المخلوقات من العدم ، و الناس يشاهدون عظمة هذه المخلوقات، ويشهدون أنه لا يقدر عليها إلا من هو تام العلم وكامل القدرة، ألا وهو الله عزّ وجلّ.

أولًا – إسناد الخلق لله تعالى

الله تعالى هو وحده الذي أوجد المخلوقات بشكل عام من عدم .

قال الله تعالى:

 (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ )

الحشر: 24

( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ )

السجدة: 4

( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ )

الزمر: 62

 (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ )

فاطر: 3

ثانيا – إثبات صفة الخلق لله عز وجل

ولما كانت صفة الخلق من أبرز صفات الله عز وجل، كان له اسمان مشتقان منها، وهما:

أ- الخالق

الخالق هو الذي أوجد جميع الأشياء بعد أن لم تكن موجودة، وقدّر أمورها في الأزل بعد أن كانت معدومة. ولا شك أن هذا المعنى خاص بالله تعالى، ولا يشاركه فيه أحد .

قال الله تعالى:

﴿ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَخَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ﴾

الأنعام: ١٠٢

﴿ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ﴾

غافر: ٦٢

﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ﴾

فاطر: ٣

ب – الخلاّق

الخلاّق هو الذي يخلق خلائق كثيرة بقدرته الشاملة المطلقة ، وواسع العلم بأحوالهم ودقائق ترتيبها، ومن ثم فإن صفة الخلّاق أبلغ من صفة الخالق.

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾

الحجر: ٨٦

﴿ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾

يس: ٨١

وإثبات صفة الخلق لله تعالى وحده، يستلزم أن يكون خالقها متصفًا بالقدرة التامة، والعلم الشامل، والحكمة البالغة، والإرادة النافذة.

ثالثا – صفة الكمال في ما

يخلق الله تعالى

قال الله تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِنْ فُطُورٍ . ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾

الملك: ٣

فلا يوجد نقصًا أو عيبًا أو عدم تناسق في خلق الله تعالى السماوات وغيرها من مخلوقاته عزّ وجلّ.

رابعا – جميع الخلق مفطورون

على الإقرار بالخلق لله تعالى

أن الخلق صفة من الصفات الربوبية لله تعالى ، وأن جميع الخلق مفطورون على الإقرار والاعتراف بربوبية الله عزّ وجلّ، حتى المشركين أنفسهم .

قال الله تعالى:

﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾

الزمر: ٣٨

﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ ﴾

الزمر: ٣

خامسًا – تنزيه الله تعالى عن

التعب والنصب في الخلق

إن الله تعالى قد خلق هذا الكون العظيم، وما فيه من مخلوقات عظيمة بما فيها الإنسان الذي يعجز عن إحصائها وعدّها، وخلقه تعالى للكون كان في مدة وجيزة جدًّا، وهي ستة أيام، ومع ذلك لم يصب الله تعالى تعب ولا نصب ولا إعياء.

قال الله تعالى:

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ﴾

ق: ٣٨

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ ﴾

الأحقاف: ٣٣

سادسا – أن الله تعالى

يخلق ما يشاء

أن الله تعالى يوجِد ما يشاء من العدم، فإذا أراد إيجاد شيء فلا رادّ له، وما لم يشأ لم يكن ولا مكوّن له، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع .

قال الله تعالى:

﴿ كَذَٰلِكِ اللَّـهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾

آل عمران: ٤٧

﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ﴾

القصص: ٦٨

﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾

الروم: ٥٤

سابعا – أن الله تعالى يخلق

ما لا يعلمه الناس

إن الله تعالى كما كانت له القدرة التامة على خلق ما يشاء، فكذلك له القدرة على خلق ما لا يعلمه الناس.

قال الله تعالى:

﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً  وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

النحل: ٨

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ﴾

يس: ٣٦

وهكذا فإن الله عزّ وجلّ يخلق ما يشاء مما نعلم ومما لا نعلم، فهناك مخلوقات عديدة لله تعالى يقصر العقل البشري عن علمها وتعدادها وحصرها، ومهما بلغ هذا العقل من التقدم والرقي إلا أنه يبقى عاجزًا عن علم جميع مخلوقات الله تعالى التي خلقها أول الخلق، والتي يخلقها إلى قيام الساعة.

ثًامنا- خلق الله تعالى لم

يكن عبثًا ولهوًا

قال الله تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾

الأنبياء: ١٦

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾

المؤمنون :115

أن الله أوجد السموات والأرض على الوجه الصحيح الدال على حكمته، وأنه لم يخلقهما عبثًا، بل للاستدلال بهما على وحدانيته، وكمال قدرته، فيعبدوه وحده، ولا يشركوا به شيئًا .

قال الله تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾

إبراهيم 19

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾

الحجر 85

﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾

الأنعام: ٧٣

وما خلَقْنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق دالتين على كمال خالقهما واقتداره، وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له.

قال الله تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ﴾

ص: ٢٧

5- بداية الخلق

      في

 القرآن الكريم

سنستعرض بعض نماذج من بدايات الخلق، مثل: خلق السموات والأرض، وخلق سيدنا آدم عليه السلام، وأن الله تعالى خلق مخلوقات قبل السماوات الأرض، وقبل سيدنا آدم عليه السلام، منه ما علمه البشر، ومنه ما لم يعلموه.

أولًا: خلق السماوات والأرض

لقد تحدثت آيات كثيرة من القرآن الكريم عن خلق السماوات والأرض مع مجموعة من المخلوقات الأخرى التي أنعم الله تعالى بها على عباده.

قال الله تعالى:

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

الروم: ٢٢

وقد ذكر القرآن الكريم بدايات خلقها من دُخَانٌ

قال الله تعالى:

﴿ ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾

فصلت: 11

قصد سبحانه وتعالى إلى السماء وكانت دخانًا من قبلُ، فقال للسماء وللأرض: انقادا لأمري مختارتين أو مجبرتين. قالتا: أتينا مذعنين لك، ليس لنا إرادة تخالف إرادتك.

قال الله تعالى:

﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ﴾

فصلت: 12

فقضى الله خلق السماوات السبع وتسويتهن في يومين ، وأوحى في كل سماء ما أراده وما أمر به فيها .

قال الله تعالى:

﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ . وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ﴾

فصلت: 9- 10

الله تعالى هو الذي خلق الأرض في يومين اثنين، وجعل فيها جبالا ثوابت من فوقها، وبارك فيها فجعلها دائمة الخير لأهلها، وقدَّر فيها أرزاق أهلها من الغذاء، وما يصلحهم من المعاش في تمام أربعة أيام

فالمدة الزمنية لخلق السماوات والأرض وما بينهما إذن هي ستة أيام.

قال الله تعالى:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ﴾

السجدة: ٤

ثانيًا: خلق آدم عليه  السلام

بعد أن خلق الله تعالى السماوات والأرض وما فيهما، خلق آدم عليه الصلاة والسلام .

وكان الله تعالى قد خلقه من تراب

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

آل عمران: ٥٩

وشرّف الله تعالى آدم عليه الصلاة والسلام حين خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه

قال الله تعالى:

﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾

ص: ٧2

فخلقه الله تعالى في صورة بديعة وشكل حسن،

قال الله تعالى:

﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾

غافر 64

ثم علّمه الله تعالى جميع مسميات الأسماء

قال الله تعالى:

﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ﴾

البقرة:٣١

ففضّله على جميع خلقه، حتى الملائكة، فأمرها الله تعالى بالسجود له عليه الصلاة والسلام سجود تكريم

قال الله تعالى:

﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا ﴾

البقرة: ٣٤

وبعد ذلك خلق الله تعالى له زوجه حواء

قال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾

النساء: ١

ثم أمره الله تعالى هو وزوجه أن يسكنا في الجنة، ويأكلا منها ما شاءا، ولكن الله تعالى نهاهما عن أن يقربا شجرة عيّنها لهم، فإنهما إن قرباها وأكلا منها فسوف يكونان من الظالمين لأنفسهم، لكن الشيطان استزلّهما، وأوقعهما في الخطيئة، فأكلا من الشجرة التي نهيا عنها، فخرجا من الجنة التي كانا ينعمان فيها، حينئذ أمرهما الله تعالى بالهبوط من الجنة إلى الأرض، فهي موضع الاستقرار لهم، فلما شعر آدم عليه الصلاة والسلام بالذنب، علّمه الله تعالى كلمات يقولها، فيتوب الله تعالى عليه ويغفر له ذنبه.

قال الله تعالى:

﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ . فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

البقرة: ٣٥-٣٧

6 – صفات خلق الله

نتناول هنا بعضًا من الصفات المتعلقة بالخلق، والتي يشير إليها القرآن الكريم عند حديثه عن الخلق، ومن تلك الصفات.

أولًا – الزوجية

إن قاعدة الزوجية تمثّل قاعدة مهمة من قواعد الخلق في هذه الأرض، وهناك العديد من الآيات القرآنية التي جاءت تدلل على هذه القاعدة.

قال الله تعالى:

﴿ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾

الذاريات: ٤٩

إن الزوجية هي قاعدة الخلق في هذه الأرض، وهي ظاهرة في الأحياء، ولكن تشمل غير الأحياء أيضًا، فالتعبير يقرّر أن الأشياء كالأحياء، مخلوقة على أساس الزوجية ، و هي إشارة إلى الأنثى والذكر من كل كائن حي .

قال الله تعالى:

﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَىٰ ﴾

النجم: ٤٥

﴿ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾

الرعد: ٣

إن كل الأحياء وأولها النبات تتألف من ذكر وأنثى، حتى النباتات التي كان مظنونًا أن ليس لها من جنسها ذكور، تبين أنها تحمل في ذاتها الزوج الآخر، فتضم أعضاء التذكير وأعضاء التأنيث مجتمعة في زهرة، أو متفرقة في العود  .

ثانيًا – الأطوار

يعدّ خلق الإنسان من آيات الله العظيمة، خاصة إذا علمنا أن كل طور من الأطوار التي مرّ فيها خلق الإنسان هو آيةٌ ودليلٌ على عظمة الله تعالى و

قدرتة . وإذا أردنا الحديث عن المراحل والأطوار لخلق الإنسان لابد لنا من تقسيمه إلى قسمين:

أ –  مراحل خلق الإنسان الأول آدم عليه الصلاة والسلام

وذلك كما يأتي:

1- الطين

وهو ذلك المركّب من تراب وماء الذي يتكوّن منه جسد الإنسان، فبداية خلق الإنسان من التراب

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

آل عمران: ٥٩

ومن الماء الذي يدخل في خلق كل شيء حي

قال الله تعالى:

﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾

الأنبياء: ٣٠

فإذا اختلط التراب مع الماء أصبح طينًا

قال الله تعالى:

﴿ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ﴾

السجدة: ٧

وقد وصف الله تعالى هذا الطين باللازب ، وهو اللزج.

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ ﴾

الصافات: ١١

2- الحمأ المسنون

وهي المرحلة الثانية بعد الطين، فإذا ترك الطين أصبح حمأ مسنونًا

قال الله تعالى:

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾

الحجر: ٢٦

والحمأ: الطين الذي تغيّر واسودّ لونه من طول مجاورة الماء، ومسنون: منصوب لييبس ويتصوّر

3- الصلصال

فبعد أن أصبح الطين حمأ مسنونًا يجف بعدها، ويصبح صلصالًا كالفخار،

قال الله تعالى:

﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ﴾

الرحمن: ١٤

والمعنى: أنه خلق الإنسان من طين يشبه في يبسه الخزف.

– نفخ الروح

في المراحل الثلاث الأولى لا روح في آدم عليه السلام، فإن الله تعالى خلق آدم عليه السلام من طين وصوّره، ثم صار صلصالًا؛ أي: يبس الطين بعد تصويره، ثم نفخ الله الروح في جسد آدم عليه الصلاة والسلام.

قال الله تعالى:

﴿ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ . فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾

ص: ٧١- ٧٢

ب – مراحل خلق نسله خلق الإنسان في بطن أمه

بيّنت لنا الآيات الكريمة المراحل والأطوار التي يمر فيها خلق الإنسان وهو في بطن أمه، فكما أن القرآن الكريم تحدّث عن مراحل خلق الإنسان الأوّل، كذلك تدرّج في الحديث عن خلق سلالة هذا الإنسان .

قال الله تعالى:

﴿ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّىٰ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾

الحج: ٥

فإنَّا خلقنا أباكم آدم من تراب، ثم تناسلت ذريته من نطفة، هي المنيُّ يقذفه الرجل في رحم المرأة، فيتحول بقدرة الله إلى علقة، وهي الدم الأحمر الغليظ، ثم إلى مضغة، وهي قطعة لحم صغيرة قَدْر ما يُمْضَغ، فتكون تارة مخلَّقة، أي تامة الخلق تنتهي إلى خروح الجنين حيًا، وغير تامة الخلق تارة أخرى، فتسقط لغير تمام؛ لنبيِّن لكم تمام قدرتنا بتصريف أطوار الخلق، ونبقي في الأرحام ما نشاء، وهو المخلَّق إلى وقت ولادته، وتكتمل الأطوار بولادة الأجنَّة أطفالا صغارًا تكبَرُ حتى تبلغ الأشد، وهو وقت الشباب والقوة واكتمال العقل، وبعض الأطفال قد يموت قبل ذلك، وبعضهم يكبَرُ حتى يبلغ سن الهرم وضَعْف العقل؛ فلا يعلم هذا المعمَّر شيئًا مما كان يعلمه قبل ذلك.

ثالثًا: الأجل

خلق الله تعالى كل المخلوقات وكتب أجلها في الدنيا، فالآجال بيد الله تعالى. والآجال محسومة لا يزاد فيها ولا ينقص منها، ولن يموت حي حتى يكمل ما له من عمر .

قال الله تعالى:

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾

الأنعام 2

﴿ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ﴾

الأحقاف 3

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾

الأعراف 34

رابعًا – التفاضل

شرّف الله تعالى بني آدم وكرّمهم، وفضّلهم، ورفع درجاتهم على غيرهم من سائر مخلوقاته.

قال الله تعالى:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾

الإسراء: ٧٠

وجعل الدرجات متفاوتة بين الناس ؛ ليستخدم بعضهم بعضًا في حوائجهم، ويعاون بعضهم بعضًا في مصالحهم، وبذلك تنتظم الحياة، وينهض العمران.

قال الله تعالى:

﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ﴾

الأنعام: ١٦٥

﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ﴾

الزّخرف: ٣٢

وبيّن سبحانه أن التفاضل بين البشر كما هو في الدنيا فهو في الآخرة أيضًا

قال الله تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ﴾

الإسراء: ٢١

خامسًا: التنوع في مادة الخلق

الخلق أو الإيجاد الإلهى يشمل على نوعين :

أ – الإيجاد من مادة مخلوقة سلفا

قال الله تعالى:

﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً  ﴾

الفرقان: 54

﴿ خَلَقَ اْلإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ﴾

الرحمن: 14

 ( خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ  )

النحل: 4

 ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا  )

الروم: 21

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا اْلإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ ﴾

المؤمنون: 12

﴿ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ ﴾

الحجر: ٢٧

ب – الإيجاد من العدم

قال الله تعالى:

﴿ أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ﴾

مريم: 67

﴿ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾

مريم:  9

( خلق السماوات والأرض بالحق )

الأنعام: 73

وكل الآيات التي تتحدث عن خلق السماوات والأرض إنما تشير إلى ابتداعها حيث لم تكن موجودة.. إن هذا لا يعني أن السماوات والأرض مخلوقة من عدم، بل هي مسبوقة بعدم، وفارق كبير بين المعنيين.

7- مقاصد الخلق

بيّن الله تعالى في آيات كثيرة من كتابه العزيز الغاية من خلق الكون، وإنه لم يخلق الخلق سدىً ولا عبثًا؛ وإنّما خلق سبحانه الخلق لغاية عظيمة، وحكمة جليلة، وعرّف عباده مقاصد إيجادهم، ومنها

أولًا: العبادة

إنّ الله تعالى ما خلق الجنّ والإنس إلا لعبادته

قال الله تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

الذاريات: ٥٦

فعبادة الله هي الغاية العظمى لخلق الجنّ والإنس؛ فما خلقوا إلا ليستجيبوا لربّهم، وليذعنوا له سبحانه بالطاعة والعبادة؛ وهذه إرادة شرعيّة، أي أنّه سبحانه أمرهم بعبادته؛ فيطيعه من وفّقوا للطاعة، ويعصيه من لم يوفّقوا لها، وليست إرادة الله تعالى في الآية إرادة كونيّة؛ إذ لو كانت كذلك للزم أن يكون العباد جميعهم عابدين لله تعالى؛ لأنّ الإرادة الكونية لا تخالف ولا تعارض.

ثانيًا: الاستخلاف

أراد الله تعالى أن يجعل في الأرض خليفة، خلقًا من خلقه يخلف بعضهم بعضًا، قرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد جيل ، يقومون بتنفيذ أمر الله تعالى على أرضه، وإمضاء أحكامه ، واختار الله تعالى آدم عليه الصلاة والسلام وذريّته لتلك المهمة العظيمة، وقد أخبر سبحانه ملائكته بذلك الأمر

قال الله تعالى:

﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾

البقرة: ٣٠

ثالثًا: الابتلاء

لقد ذكر الله تعالى في غير آية من كتابه العزيز أنّ المقصد والحكمة من خلق السماوات والأرض، والموت والحياة، هي ابتلاء العباد واختبارهم أيهم أحسن عملًا .

قال الله تعالى:

﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾

هود: ٧

﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾

الكهف: ٧

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾

الملك: ٢

وهذا المقصد من الخلق تابع للمقصد الأكبر، وهو العبادة؛ إذ إنّ أمر الله تعالى عباده بعبادته وطاعته والاستسلام لأمره ونهيه بمنزلة الاختبار والامتحان لهم؛ فمن استجاب لربّه فقد فاز وأفلح، ومن عصى وأدبر فقد خاب وخسر.

رابعًا: الاختلاف

إنّ من مقاصد خلق الله تعالى للعباد أنّه سبحانه و تعالى أرادهم أن يكونوا مختلفين؛ ولو أراد سبحانه أن يجعلهم مجتمعين على أمّة واحدة لفعل؛ ولكنّه سبحانه أرادهم مختلفين.

قال الله تعالى:

﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾

هود: ١١٨- ١١٩

أي اقتضت حكمته أنّه خلقهم مختلفين؛ منهم المؤمن ومنهم الكافر؛ ليكون منهم السعداء والأشقياء، والمتفقون والمختلفون، والفريق الذين هدى الله، والفريق الذين حقّت عليهم الضلالة؛ ليتبيّن للعباد عدل الله سبحانه وحكمته، ولتقوم سوق الجهاد والعبادات التي لا تتم ولا تستقيم إلا بالامتحان والابتلاء.

8 – دلالة الخلق

خلق الله تعالى فيه دلالات عظيمة، وبراهين بيّنة جليلة، أراد الله تعالى من عباده أن يقفوا عليها، ويسترشدوا بها، وأهم دلالات الخلق ، الأتي

1-  وجود الخالق

لا شكّ في أنّ الخلق يدلّ على وجود الخالق

قال الله تعالى:

﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾

الطور 35

أخُلِق هؤلاء المشركون من غير خالق لهم وموجد، أم هم الخالقون لأنفسهم؟ وكلا الأمرين باطل ومستحيل. وبهذا يتعيَّن أن الله سبحانه هو الذي خلقهم، وهو وحده الذي لا تنبغي العبادة ولا تصلح إلا له.

قال الله تعالى:

﴿ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ﴾

طه

ربنا الذي أعطى كل شيء خَلْقَه اللائق به على حسن صنعه، ثم هدى كل مخلوق إلى الانتفاع بما خلقه الله له.

قال الله تعالى:

﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾

الفرقان: ٢

وهو الذي خلق كل شيء، فسوَّاه على ما يناسبه من الخلق وَفْق ما تقتضيه حكمته دون نقص أو خلل.

2- استحقاق الخالق للعبودية

إنّ الفطر السليمة، والعقول البصيرة تدرك أنّ من خلق وأوجد، واعتنى بخلقه لهو جدير وحده بأن يطاع ويعبد، فكيف يعبد سواه؟! ومن يستحق العبادة إلا إياه؟!

قال الله تعالى:

﴿ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

الأنعام: ١٠٢

وهل يستوي من خلق بمن هو مخلوق لا يملك حتى نفسه؟

قال الله تعالى:

﴿ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾

النحل: ١٧

وهل يستوي من أبدع هذا الكون وجعل فيه تلك الآيات الباهرة، والنعم المستفيضة بمن لا يقدر على نفع نفسه، قال الله تعالى مخبرًا عن نفسه العلية، ممتنًا على عباده، هاديًا لهم ومرشدًا

قال الله تعالى:

﴿ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ . وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ . أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾

النحل: ١٤-١٧

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

البقرة: ٢١-٢٢

ففي هذه الآيات وأمثالها في كتاب الله تعالى استدلّ الله تعالى لعباده على وجوب عبادته وحده دون سواه بأنّه سبحانه وحده هو الخالق المدبّر؛ فما دام أنّه سبحانه الخالق، وهو سبحانه الذي خلق العباد من العدم، وأنعم عليهم بالخلق والإيجاد، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، فهو سبحانه المستحق وحده للعبادة.

3- قدرة الخالق على البعث

إنّ من الدلالات العظيمة التي يدلّ عليها خلق الله تعالى الدلالة على قدرته سبحانه وتعالى على البعث، وإعادة الموتى للحياة من جديد؛ لأجل أن يحاسبوا على أعمالهم .

قال الله تعالى:

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَ

Share This