1- مفهوم التغيير

التغيير هو انتقال الشيء من حالة إلى حالة أخرى .

قَال الله تعالى:

﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

الأنفال: ٥٣

ذلك الجزاء السيِّئ بأن الله إذا أنعم على قوم نعمة لم يسلبها منهم حتى يغيِّروا حالهم الطيبة إلى حال سيئة .

2- كلمة التغيير

      في

  القرآن الكريم

وردت كلمة (غير) وصيغها في القرآن الكريم (٦) مرات فقط . والصيغ التي وردت هي:

– الفعل المضارع

ورد ٥ مرات

قَال الله تعالى:

( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )

الرعد:١١

– اسم فاعل

ورد  مرة واحدة

قَال الله تعالى:

﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

الأنفال:٥٣

وجاءت صيغ (غير) في القرآن الكريم بمعني التحويل والتبديل.

قال الله تعالى:

﴿ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾

النساء: 119

معناه: حتى يبدلوا ما أمرهم الله.

3- الكلمات ذات الصلة

    بكلمة التغيير

– الإصلاح

هو إرجاع الشيء إلى حالة اعتداله بإزالة ما طرأ عليه من الفساد .

قال الله تعالى:

﴿ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ﴾

المائدة : 39

– التبديل

جعل الشيء مكان الشيء .

قال الله تعالى:

﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ﴾

الأعراف: 162

– الإفساد

هو جعل الشيء فاسدًا خارجًا عما ينبغي أن يكون عليه وعن كونه منتفعًا به ، وهو ضد الإصلاح.

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ﴾

النمل :34

4 – التغيير سنة من

    سنن هذا الكون

التغيير سنة من سنن هذا الكون ، فنري حولنا التغييرفي كل مكان ،مثل

أ – حركة الأجرام العلوية

تشرق الشمس في الصباح فتملأ الدنيا نورًا ودفئًا، ثم تغرب في المساء فيحل الظلام، والليل والنهار يتعاقبان .

قال الله تعالى:

﴿  وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ﴾

الإسراء: ١٢

ب – في عالم النبات

نرى صورًا ومشاهد للتغيير التدريجي، تبدأ النبتة ضعيفة لينة، ثم تشتد وتمتد أغصانها، ثم تزهر وتثمر، ويصفر النبات ويذبل ويجف في دورة عجيبة .

قال الله تعالى:

﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ﴾

الكهف:٤٥

صفة الدنيا التي اغترُّوا بها في بهجتها وسرعة زوالها، فهي كماء أنزله الله من السماء فخرج به النبات بإذنه، وصار مُخْضرًّا، وما هي إلا مدة يسيرة حتى صار هذا النبات يابسًا متكسرًا تنسفه الرياح إلى كل جهة.

ت – تغيرٌ في أحوال الأمم

بتقلب الأحوال وتبدل الزمان وتداول الأمم

قال الله تعالى:

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ  ﴾

آل عمران: ٢٦

قل -أيها النبي متوجها إلى ربك بالدعاء-: يا مَن لك الملك كلُّه، أنت الذي تمنح الملك والمال والتمكين في الأرض مَن تشاء مِن خلقك، وتسلب الملك ممن تشاء، وتهب العزة في الدنيا والآخرة مَن تشاء، وتجعل الذلَّة على من تشاء .

ث – تغيرٌ في حياة البشر

قال الله تعالى:

﴿ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّىٰ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾

الحج: 5

ونبقي في الأرحام ما نشاء، وهو المخلَّق إلى وقت ولادته، وتكتمل الأطوار بولادة الأجنَّة أطفالا صغارًا تكبَرُ حتى تبلغ الأشد، وهو وقت الشباب والقوة واكتمال العقل، وبعض الأطفال قد يموت قبل ذلك، وبعضهم يكبَرُ حتى يبلغ سن الهرم وضَعْف العقل؛ فلا يعلم هذا المعمَّر شيئًا مما كان يعلمه قبل ذلك.

5- التغيير يتم بإرادة

   الله تعالى وتدبيره

فالتغيير سنة من سنن الله في الكون، نلمسها في عالمنا، وكل تغيير يطرأ على هذا الكون إنما هو بإرادة الله تعالى وتدبيره .

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

الرعد: 11

﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

الأنفال: 53

التغيير في الآيتين من الله تعالى فهو الذي يغير. والتغيير في الآيتين هو تغيير ما بالأنفس، فالتغيير من جهة الله تعالى مقرون بالتغيير من جهة الأنفس، لا من جهة خارجة عنها، فلن يحاسب الإنسان على أخطاء غيره ما لم يرتضها أو يسكت عنها، والتغيير الإيجابي لا بد أن ينبع من النفس لا من الغير.

6 – أنواع التغيير

       في

القرآن الكريم

ينقسم التغييرإلي نوعين ، وهما

أولًا: التغيير المحمود

التغيير المحمود هوتغيير إيجابي ، و يكون التغييرفيه إلي الأفضل . ويشمل كل من  الأتي

١ – تغيير الأنفس

إن تغيير ما بالنفس لا بد وأن يكون عن علم بطبيعة النفس وسنن التغيير، و الله تعالى وحده  هو أعلم بنا.

قال الله تعالى:

﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾

الإسراء: ٢٥

﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ﴾

الإسراء: ٥٤

فتغيير ما بالأنفس يبدأ بمعرفتها والوقوف على علل وأدوائها، والتبصر بالمنهج الأمثل للتغيير . وتغيير الأنفس إلى الأفضل إنما يكون بتزكيتها، أي تطهيرها والارتقاء بها .

قال الله تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّىٰ ﴾

الأعلى: 14

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾

الشمس:٧-٩

إن تزكية النفس نابعٌ من إرادة التغيير للأحسن والأصلح . وقد نهانا الله تعالى أن نزكُّى أنفسنا فنمدحها

قال الله تعالى:

﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ ﴾

النجم: 32

هو أعلم بأحوالكم حين خلق أباكم آدم من تراب، وحين أنتم أجنَّة في بطون أمهاتكم، فلا تزكُّوا أنفسكم فتمدحوها وتَصِفُوها بالتقوى، هو أعلم بمن اتقى عقابه فاجتنب معاصيه من عباده.

أ – الله تعالى بفضله ورحمته يزكي من يشاء.

قال الله تعالى:

﴿ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾

النساء 49

﴿ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

النور 21

ب – وكانت الدعوة لتغيير النفوس بتزكيتها هي محور دعوه الأسلام . فعن دعوة محمد عليه السلام

قال الله تعالى:

﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾

البقرة:١٥1

﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

الجمعة:٢

ج – ولقد كان القرآن الكريم هو منهج هذه التزكية ومصدرها

قال الله تعالى:

﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾

إبراهيم:١

جاء القرآن الكريم ونفر مما كان في الجاهلية من مفاسد وشرور، فنهى عن الأتى .

– عن ظن الجاهلية

الظنون والأوهام والتصورات الفاسدة

قال الله تعالى:

﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾

آل عمران:١٥٤

وأساؤوا الظن بربهم وبدينه وبنبيه

-عن ظلم الجاهلية

الذي تمثل في الأحكام المستبدة والأقضية الجائرة

قال الله تعالى :

﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾

المائدة:٥٠

-عن تبرج الجاهلية

قال الله تعالى:

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ﴾

الأحزاب:٣٣

– عن حمية الجاهلية

وما فيها من طيش وحماقةٍ واندفاع وعصبية عمياء

قال الله تعالى:

﴿ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ﴾

الفتح:٢٦

2- تغيير المجتمعات

تغيير المجتمعات أو التغيير الاجتماعي يقوم على تغيير الأنفس أولًا ؛ فهي لبنات المجتمع وعماده، ثم التغيير العام للمجتمع، بالإصلاح والدعوة والتربية. وللتغيير الاجتماعي أهميته فهو الهدف المنشود والأثر الفعال في الوجود، ولا يتحقق إلا بتغير الأنفس. ومن عوامل تغيير المجتمعات الأتي

أ – الإيمان والتقوى وإقامة ما أنزل الله

لا تغيير بدون إيمانٍ خالصٍ وتقوى صادقةٍ وإقامةٍ لما أنزل الله بتبينه والامتثال له والدعوة إليه، هنا يحدث التغيير للأفضل  .

قال الله تعالى:

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

الأعراف:٩٦

ولو أنَّ أهل القرى صدَّقوا رسلهم واتبعوهم واجتنبوا ما نهاهم الله عنه، لفتح الله لهم أبواب الخير من كلِّ وجه، ولكنهم كذَّبوا، فعاقبهم الله بالعذاب المهلك بسبب كفرهم ومعاصيهم.

قال الله تعالى:

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ . وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾

المائدة:٦٥-٦٦

ولو أن أهل الكتاب صدَّقوا الله ورسوله، وامتثلوا أوامر الله واجتنبوا نواهيه، لكفَّرنا عنهم ذنوبهم، ولأدخلناهم جنات النعيم في الدار الآخرة. ولو أنَّهم عملوا بما في التوراة والإنجيل، وبما أُنْزِل عليك أيها الرسول – وهو القرآن الكريم – لرُزِقوا من كلِّ سبيلٍ، فأنزلنا عليهم المطر، وأنبتنا لهم الثمر، وهذا جزاء الدنيا.

قال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾

الأنفال:٢٩

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه إن تتقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه يجعل لكم فصلا بين الحق والباطل، ويَمحُ عنكم ما سلف من ذنوبكم ويسترها عليكم، فلا يؤاخذكم بها. والله ذو الفضل العظيم.

ب – عبادة الله وحده وكثرة الاستغفار والتوبة الخالصة من الذنوب.

نهى القرآن عن عبادة غير الله ؛ ودعا إلى كثرة الاستغفار والتوبة النصوح ووعد بطيب العيش والعافية وطول العمر في طاعته ومرضاته، والارتقاء والتفوق على سائر الأمم، في القوة والعلم والمنعة والفضل.

قال الله تعالى:

﴿ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ . وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾

هود:٢-٣

وإنزال القرآن وبيان أحكامه وتفصيلها وإحكامها؛ لأجل أن لا تعبدوا إلا الله وحده لا شريك له. إنني لكم -أيها الناس- من عند الله نذير ينذركم عقابه، وبشير يبشِّركم بثوابه. واسألوه أن يغفر لكم ذنوبكم، ثم ارجعوا إليه نادمين يمتعْكم في دنياكم متاعًا حسنًا بالحياة الطيبة فيها، إلى أن يحين أجلكم، ويُعطِ كل ذي فضل من علم وعمل جزاء فضله كاملا لا نقص فيه، وإن تعرضوا عمَّا أدعوكم إليه فإني أخشى عليكم عذاب يوم شديد، وهو يوم القيامة. وهذا تهديد شديد لمن تولَّى عن أوامر الله تعالى وكذَّب رسله.

ثانيًا: التغيير المذموم

التغيير المذموم هوتغيير سلبي،، و يكون التغييرفيه إلي الأسوأ  . ويشمل كل من  الأتي

1- تغيير في الأنفس

خلق الله النفس البشرية وسواها على الفطرة وبين لها طريق الغواية وطريق الرشاد، وأوكل الاختيار إليها، إما أن تسلك طريق الفلاح بتهذيب النفس والنهوض بها، وإما طريق الخيبة والضياع بالأهواء والملذات.

قال الله تعالى:

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

الشمس:٧-١٠

طهر نفسه من الذنوب، ونقاها من العيوب، ونماها وأعلاها بالباقيات الصالحات، وقد خاب من دساها: أهلكها وأضلها وأغواها.

2- تغيير في المجتمعات

قد يتغير المجتمع إلى الأسوأ وفي القرآن الكريم نماذج عديدة لهذا التغير ومظاهره وأسبابه، وحديث القرآن في هذا السياق تارة يكون عامًا لا يشمل مجتمعا بعينه بل يبين عموم هذه السنة واطرادها، وتارة يأتي الحديث عن قرى بعينها كمثالٍ واقعي.

أولًا: التغيير سنة عامة ومطردة

يخبر تعالى عن سنته الجارية في الأمم الماضية الذين واجهوا دعوات الأنبياء بالتكذيب والإعراض، كيف حول الله حالهم من سعةٍ وخصبٍ إلى شدةٍ وبؤس، ومن منح وعطاء إلى محن وحرمان، وذلك امتحانٌ لهم هل يتضرعون لربهم ويلوذون ببابه، فيكشف عنهم البلاء ويغير من شدتهم وكربهم إلى فرجٍ ورخاء؟ لكن قسوة قلوبهم حرمتهم من التضرع لربهم ليغير مابهم، وزين لهم الشيطان سوء عملهم فلم يسعوا للتغيير ولم يفكروا فيه، وهنا يبتليهم الله بالسراء ويفتح لهم أبواب الرخاء فيفرحون بما أوتوا فرح المغرور المفتون، فيحق عليهم العذاب وتحل بهم النقم ويتبدل الحال إلى شقاءٍ لا نعيم بعده، فإذا هم نادمون آيسون .

قال الله تعالى:

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ. فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

الأنعام:٤٢-٤٤

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ . ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

الأعراف:٩٤-٩٥

ثانيًا: نماذج من التاريخ

في القرآن الكريم أمثلة واقعية كثيرة لسنة التغيير، من تبدل الحال بعد نعمةٍ وخفض عيشٍ إلى شظفٍ ونقمةٍ حين الكفر بنعمة الله والأعرض عن الحق. من ذلك ما يلي

أ – قوم سبأ

قال الله تعالى:

﴿ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ. فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ . ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾

سبأ:١٥-١٩

لم يشكروا ربهم بل أعرضوا عن المنعم جل وعلا، وقابلوا النعم بالجحود والنكران، فسلط الله عليهم السيل الجرار الذي خرب سدهم وأفسد زرعهم، وأتلف أشجارهم، فتبدلت تلك الحقول والبساتين المثمرة، بأشجارٍ رديئة الثمر، كالطرفاء والسدر وغيرها من الأشجار التي لا تغني من جوع. ذلك العقاب بسبب كفرهم وجحودهم، فلا نعاقب إلا من كفر بالنعم وأصر على ذلك وتمادى فيه، فيتبدل حاله من رغد العيش وطيب الحياة ووفرة الثمر إلى القحط والجدب وتلف الزروع وقلة الثمر.

ب- قوم فرعون

قال الله تعالى:

﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ . ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ ﴾

الأنفال:٥٢-٥٤

حين كذب قوم فرعون وعصوا رسول ربهم عاقبهم الله بعقوبات شتى عاجلة، كدرت عليهم صفو حياتهم، وضيقت معيشتهم فلم يغيروا من حالهم شيئًا، فكانت العقوبة الكبرى حين أهلكهم الله بالغرق.

7- أسباب التغيير

للتغيير المحمود أسبابه وكذا للتغيير المذموم، وهذا دليل على عدل الله وحكمته ولطف تدبيره .

أولًا: أسباب التغيير المحمود

فمن أسباب التغيير الإيجابي الإيمان وما ينبثق عنه من عمل صالح، وما يشع من أنوار تذكره بالماضي ليعتبر بمصير السابقين، وتضيء له حاضره ومستقبله.

1- الإيمان

إن الإيمان هو القاعدة لأي إصلاح، والركيزة لأي منطلق، والسبيل إلى كل خير.

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

البقرة:٢١٨

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾

النساء:١٧٥

فكل عمل صالح منبعه الإيمان، لا ينهض به إلا أهل الإيمان، فهم جديرون بنيل الهداية والرشاد وإحراز التوفيق والسداد.

إن الإيمان الذي يصنع المعجزات، ويقود إلى التغيير، فترتقي الأمم وتنهض، وتهبط عليها البركات.

قال الله تعالى:

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

الأعراف:٩٦

2- إدراك الواقع السيء

استشعار الداء هو أول الطريق إلى التغيير أن يدرك الإنسان أنه في حاجة للتغيير، وأن ينبري العقلاء إلى كشف الخلل وتشخيص العلل من أجل البحث عن علاج ناجع، وإن لم يستشعر العقلاء مواطن العلل ومواضع الخلل فلن يحدث التغيير، ولقد فرق القرآن الكريم بين نفسين:

– نفس لوامة تلوم صاحبها على تقصيره وتسعى لارتقائه

قال الله تعالى :

﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾

القيامة:١-٢

– ونفس خبيثة أمارة بالسوء تبرر الأخطاء وتستعذب الذنوب

قال الله تعالى :

﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

يوسف:٥٣

النفس اللوامة هي التي تلوم نفسها على فعل الذنوب أو التقصير في الطاعات كذلك الشأن بالنسبة لأمراض المجتمع ومواطن الخلل فيه إن لم ينتبه لها العقلاء أودت بالمجتمع وجرته إلى المهالك .

قال الله تعالى :

﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

الأنفال:٢٥

3- الخوف من سوء العاقبة

لا شك أن الحذر من سوء العاقبة مما يحمل العبد على أن يغير من نفسه ويصلح من شأنه، حذرًا من أن يصيبه ما أصاب الظلمة والعصاة، ولقد حذر الله المؤمنين من سوء العواقب، ورد ذلك في آيات كثيرة.

قال الله تعالى :

﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

آل عمران:١٣٧

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴾

النمل:٦٩

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

الأنعام:١١

سيروا في الأرض كيفما شئتم ونقبوا في البلاد فلن تجدوا من أفلت من حكمنا من المكذبين، بل عاقبتهم واحدة ونهايتهم محتومة مؤلمة.

ثانيًا: أسباب التغيير المذموم

1- اتباع الشيطان وأعوانه

الشيطان داعي الهوى، يزين القبيح، ويقبح الحسن، كم من معصية هونها، وكم من طاعة سوفها، وكم من بدعة حسنها، وعن النهي والتحذيرً من خطوات الشيطان التي يستدرج بها الإنسان حتى يوقعه في الحرام

قال الله تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ  إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾

البقرة:١٦٨

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

النور:٢١

فلا يزال الشيطان بالإنسان حتى يدفعه إلى تعاطي الحرام، ، فإذا تعاطى الناس الحرام فشا الظلم وخيم الضلال، وانتشر الخنا والفجور، وفسدت المجتمعات وتردت إلى الهاوية.

2- اتباع الهوى

واتباع الهوى يفضي إلى الانسياق وراء الملذات والانغماس في الشهوات، والنفور من الحق، وكراهيته، وما ينبثق عن ذلك من ظلمٍ وافتراء، وتردي الأخلاق،. ولقد حذرنا المولى عز وجل في كتابه الكريم من إتباع الهوى، وأنذر الذين ملك الهوى زمام قلوبهم، ودعا إلى تجنب أصحاب الأهواء .

قال الله تعالى :

﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾

الكهف:٢٨

﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾

الجاثية:٢٣

﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا . أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾

الفرقان:٤٣-٤٤

والمتبع للهوى يحرم نفسه من نعمة الهداية، إذ لم ينتفع بعلمه وأغلق سمعه وبصره عن قوارع الحق وشواهده.

3- عدم النهي عن الفساد

قال الله تعالى :

﴿ فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ. وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾

هود:١١٦-١١٧

فهلاَّ وُجد من القرون الماضية بقايا من أهل الخير والصلاح، ينهون أهل الكفر عن كفرهم، وعن الفساد في الأرض، لم يوجد من أولئك الأقوام إلا قليل ممن آمن، فنجَّاهم الله بسبب ذلك مِن عذابه حين أخذ الظالمين. واتَّبع عامتهم من الذين ظلموا أنفسهم ما مُتِّعوا فيه من لذات الدنيا ونعيمها، وكانوا مجرمين ظالمين باتباعهم ما تنعموا فيه، فحقَّ عليهم العذاب. وما كان ربك -أيها الرسول- ليهلك قرية من القرى وأهلها مصلحون في الأرض، مجتنبون للفساد والظلم، وإنما يهلكهم بسبب ظلمهم وفسادهم.

4- الأمن من مكر الله

من أسباب التغيير الأمن من مكر الله تعالى، فيغتر العبد ويتمادى في الذنوب والعصيان، ويمسي ويصبح في غفلةٍ لا يلقي بالا لما قدمته يداه.

قال الله تعالى :

﴿ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ . أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ . أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴾

الأعراف:٩٧-٩٩

أفأمن أولئك الذين يكذبون بآيات الله ويجحدونها إمهال الله لهم واستدراجهم؛ بإمدادهم بالنعم في دنياهم من صحة البدن ورخاء العيش فيأخذهم على غرة بعذاب لا رجعة فيه ولا مهرب منه، وهم في نومٍ ورقادٍ، أو في لعبٍ ومرحٍ، أفأمن أولئك العصاة مكر الله بهم ونقمته عليهم فلا يأمن مكر الله إلا أهل الخسران.

8- مجالات التغيير

مجالات التغيير شاملة وميادينه متشعبة، فالتغيير منظومة متكاملة وعلاج شامل، لن يحقق الثمرة المرجوة ما لم يجمع بين التغيير في العقائد والأفكار والتغيير في الأخلاق والسلوك، كما سنبين في ما يلي

أولًا- التغيير في العقائد

جاءت دعوات الأنبياء بالتغيير ولا شك أن أول خطواته وأركانه إصلاح العقيدة، والتطهر من أدران الشرك والتحرر من الخرافات والأوهام، فبدأ كل نبي دعوته إلى التوحيد.

قال الله تعالى :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

الأنبياء:٢٥

والتغيير في العقائد هو الأساس؛ لا نجاح لأي تغيير وإصلاح بدون إصلاح العقيدة .

قال الله تعالى :

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا . رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ﴾

الطلاق:١٠-١١

من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، من ظلمات الجهل والأوهام إلى نور العلم، من ظلمات الشك والحيرة إلى نور اليقين. فأي تغيير أعظم من التغيير في العقائد فهو منبع كل تغيير.

ثانيًا- التغيير في الأخلاق

جاء القرآن بمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب وتقويم السلوك؛ فاشتمل القرآن الكريم على جميع محاسن الأخلاق يدعو إليها ويرغب فيها، ونهى القرآن عن جميع مساوئ الأخلاق ونفر منها .

قال الله تعالى :

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾

النحل:٩٠

وجعل لنا في حياة الأنبياء والصالحين المثل العليا لمكارم الأخلاق؛ فما من خلق كريم إلا وفي قصص القرآن نموذج يحتذى منه، وما من خلق رديء إلا وفي قصص الغابرين مثال له حتى ننفر منه ونحذره .

قال الله تعالى :

﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ﴾

الممتحنة: 4

ثالثًا: التغيير في المعاملات

جاء القرآن الكريم بإصلاح المعاملات فدعا إلى حسن المعاملة والوفاء بالحقوق، وفي مقدمتها بر الوالدين وصلة الأرحام وحسن العشرة الزوجية، والإحسان إلى الجار والصاحب، وشرع كل معاملة حسنة، ونهى عن كل معاملة سيئة، فأحل البيع وحرم الربا، و نهى عن أكل أموال اليتامى ظلمًا، ودعا لحسن التعامل والصبر على مخالطة الناس، وتحمل أذاهم والعفو والإحسان.

قال الله تعالى :

﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا. رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا . وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا . إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴾

الإسراء:٢٣-٢٧

﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا  وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ  وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

الأنعام:١٥١-١٥٣

﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾

النساء:٣٦

فاشتمل القرآن على هذه الفضائل في المعاملات، التوحيد الذي هو أساس الشريعة والأخلاق، والدعوة إلى بر الوالدين، فهم السبب في وجودنا، ومهما بذلنا من إحسان، فلن نوفيهما حقوقهما، كما دعا إلى مراعاة حق القرابة والجوار، وحق الضعيف وحق الخادم وملك اليمين وحق اليتيم والمسكين وابن السبيل، ونهى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ونهى عن الربا وأكل مال اليتيم وأكل أموال الناس بالباطل، وجاء الإسلام بالتشريعات التي تحفظ الحقوق وتصون الكرامات.

9- ثمرات التغيير وآثاره

للتغيير الإيجابي ثمراته المباركة، وللتغيير السلبي آثاره السلبية على الفرد والمجتمع، كما سنبين في مايلي

أولًا: ثمرة التغيير الممدوح

من أعظم ثمرات التغيير الممدوح ، الأتي

1-  التمكين للمؤمنين

والتمكين تحول في مسار الأمة من ضعف وفرقة إلى قوة ومنعة وعزة، فللتمكين مقدماته ومؤهلاته، والتي من أهمها الإيمان والعمل الصالح، وله عوامل تحفظه، وهو القيام بواجبات العبودية لله والإصلاح.

قال الله تعالى :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾

النور:٥٥

2- طريق الفلاح

وللتغيير ثمراته الطيبة فهو سبيل النجاة وطريق الفلاح، وبه تلتمس البركات. وهو متاحٌ لكل من شرع فيه وأخذ بأسبابه مهما كان من فساد حاله وضلاله قبل التغيير.

– عن أهل الكتاب

قال الله تعالى :

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ . وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْم

Share This