مفهوم التشاؤم في القرآن الكريم

1- مفهوم التشاؤم

هو توقع حدوث الشر أو المكروه من شيء ما تراه أو تسمعه وتتوهم وقوع المكروه به ، ويكون وجوده سببًا في وجود ما يحزن ويضر.

2- كلمة التشاؤم

      في

  القرآن الكريم

لم يرد لفظ التشاؤم في القرآن الكريم، بل جاء ما يدل عليه في بعض الآيات الكريمة بالمعنى نفسه وبسياقات متنوعة .

قال الله تعالى:

﴿ قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ﴾

النمل: ٤٧

قال قوم صالح له: تَشاءَمْنا بك وبمن معك ممن دخل في دينك، وتشاءم القوم به مثل تطيروا به .

3- الكلمات ذات الصلة

      بكلمة التشاؤم

– التطير

التطير هو اتباع أمر ما لمعرفة ما إذا كان هذا الأمر يمكن التفاؤل به و عمله ، أو أن هذا الأمر شؤما و يجب تجنبه . و قد تم استخدام مفهوم التطير في الجاهلية ، نظرا لأن أحدهم حين كان يقصد القيام بأمر ما كان يتجه لعش طائر ، و يحاول استثارة الطائر فإن اتجه يمينا فيقوم الشخص بالذهاب أو القيام بالأمر ، و إن اتجه يسارا فرجع الشخص عن ما يود فعله و تشائم به .

قال الله تعالى:

﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَنْ مَعَهُ ﴾

الأعراف: 131

– التفاؤل

الفأل هو حاله تعتري النفس عن طريق حسن الظن بالله تعالى والتوكل عليه .

– عن قول قوم موسى له

لما قالوا:

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ . قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ. فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ﴾

الشعراء:61- 63

– التوكل

التوكل هو ثقة العبد بالله تعالى والاعتماد عليه في كل الأمور، والرضا بقضائه وقدره .

قال الله تعالى:

﴿ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا ﴾

إبراهيم :12

4 – التشاؤم عادة جاهلية

لا شك أن التشاؤم هو من عادات أهل الجاهلية والأمم الوثنية السابقة حيث كانوا يتشاءمون من أمور كثيرة، لذا جاء الإسلام فأبطلها؛ لأنها تخل بعقيدة المسلم الصحيحة القائمة على الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، وفي هذا المبحث سنبين بعض الأقوام الذين كانت أبرز صفاتهم التشاؤم وذلك من خلال النماذج الآتية:

أولًا- تشاؤم قوم صالحٍ عليه السلام

كان دأب الكفار من قبل أنهم يتطيرون بالأنبياء والرسل عليهم السلام، كما أخبر الله تعالى عن ثمود وما كان من أمرها مع نبيها صالح عليه السلام

قال الله تعالى:

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ . قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ . قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ  بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ﴾

النمل: ٤٧

يتضح مما تقدم أن ثمود – وهم قوم صالح عليه السلام-  كانوا يتشاءمون من نبيهم ومن معه من المؤمنين، كأنهم يقولون لهم: أنتم نحس علينا، بمعنى أنك يا صالح كنت أنت ومن معك سببًا لتشاؤمنا، فرد عليهم صالح عليه السلام: طائركم الذي تدعونه لأنفسكم عند الله وحده، وإنكم تمتحنون بتلك الأوهام من التشاؤم، وتظنون أنه يسعدكم أو يشقيكم، وأن علم الغيب الذي تتعرفونه بالطير هو عند الله تعالى علام الغيوب، ونتيجة تشاؤمهم وكفرهم بنبيهم ومن معه أهلكهم الله تعالى بالصيحة، فصعقوا بها جميعًا، فانكبوا على وجوههم ولم ينج منهم أحد.

ثانيًا – تشاؤم أصحاب القرية

قال تعالى مخبرًا عن أهل القرية إذ جاءها المرسلون

قال الله تعالى:

﴿ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ . قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴾

يس: ١٨-١٩

يتضح مما تقدم أن أصحاب القرية قد تشاءموا بالرسل الذين أرسلهم الله تعالى لهم وتوقعوا الشر منهم ومن دعوتهم، لذلك كذبوهم وهددوهم بالتعذيب أو القتل أو الرجم، إلا أن الله تعالى نجاهم من أصحاب تلك القرية، ولم يذكر القرآن من هم أصحاب القرية، ولا ما هي القرية، ولعل عدم الإفصاح عنها دليل على أن تحديد اسمها أو موضعها لا يزيد شيئًا في دلالة القصة، بل ذكرت على سبيل الاتعاظ والاعتبار.

ثالثًا – تشاؤم آل فرعون

عن قوم فرعون

قال الله تعالى:

﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ . فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَنْ مَعَهُ  أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

الأعراف: ١٣١

ولقد ابتلينا فرعون وقومه بالقحط والجدب، ونَقْص ثمارهم وغَلاتهم؛ ليتذكروا، وينزجروا عن ضلالاتهم، ويفزعوا إلى ربهم بالتوبة. فإذا جاء فرعونَ وقومَه الخِصْبُ والرزقُ قالوا: هذا لنا بما نستحقه، وإن يُصِبْهم جدب وقحط يتشاءموا، ويقولوا: هذا بسبب موسى ومَن معه. ألا إنَّ ما يصيبهم من الجدب والقحط إنما هو بقضاء الله وقدره، وبسبب ذنوبهم وكفرهم، ولكن أكثر قوم فرعون لا يعلمون ذلك؛ لانغمارهم في الجهل والضلال.

رابعًا – تشاؤم كفار قريش

سار كفار قريش على ما سار عليه الأقوام والأمم السالفة في تشاؤمهم برسلهم وأنبيائهم عليهم الصلاة والسلام، وقد فعلوا ذلك مع النبي صلى الله عليه وسلم، فتطيروا به، وردوا كل مصائبهم إليه وإلى ما يدعو إليه .

قال الله تعالى:

﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ  فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ﴾

النساء: ٧٨

وإن يحصل لهم ما يسرُّهم من متاع هذه الحياة، ينسبوا حصوله إلى الله تعالى، وإن وقع عليهم ما يكرهونه ينسبوه إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم جهالة وتشاؤمًا، وما علموا أن ذلك كله من عند الله وحده، بقضائه وقدره، فما بالهم لا يقاربون فَهْمَ أيِّ حديث تحدثهم به؟

5- أسباب التشاؤم

للتشاؤم أسباب عديدة ومتنوعة، من أهمها:

1- الكفر

أن التشاؤم قد يصل بالإنسان إلى الكفر لما فيه من اليأس مما عند الله تعالى من خير؛ مما يؤدي إلى انتفاء الإيمان من المتشائم تدريجيًا وصولًا إلى الكفر؛ لذلك ذم الله تعالى اليائسين منه .

قال الله تعالى:

﴿ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ  إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾

يوسف: ٨٧

أي: أنه لا ييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون؛ لأن من آمن يعلم أنه متقلب في رحمة الله ونعمته فلا ييأس من رحمته، وأما الكافر فإنه لا يعلم رحمة الله ولا تقلبه في رحمته؛ فييأس من رحمته .

قال الله تعالى:

﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾

الروم: ٣٦

وإذا أذقنا الناس منا نعمة مِن صحة وعافية ورخاء، فرحوا بذلك فرح بطرٍ وأَشَرٍ، لا فرح شكر، وإن يصبهم مرض وفقر وخوف وضيق بسبب ذنوبهم ومعاصيهم، إذا هم يَيْئَسون من الرحمة ، ومن شأن المؤمن أن يشكر عند النعمة ويرجو ربه عند الشدة.

2- سوء الظن بالله تعالى

أن التشاؤم هو صفة من صفات المنافقين والمشركين الذين توعدهم الله تعالى بالوعيد الشديد ، وهو سوء ظن بالله تعالى ، واعتراض على أقداره الجارية، وتوقع الشر والبلاء مع اعتقاد حصول الضر والنفع من غير الله تعالى .

قال الله تعالى:

﴿ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ  وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾

الفتح: ٦

ويعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الذين يظنون ظنًا سيئًا بالله أنه لن ينصر نبيه والمؤمنين معه على أعدائهم، ولن يُظهر دينه، فعلى هؤلاء تدور دائرة العذاب وكل ما يسوءهم، وغضب الله عليهم، وطردهم من رحمته، وأعدَّ لهم نار جهنم، وساءت منزلا يصيرون إليه.

قال الله تعالى:

﴿ وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾

فصلت: ٢٣

وذلكم ظنكم السيِّئ الذي ظننتموه بربكم أهلككم، فأوردكم النار، فأصبحتم اليوم من الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم.

3- الإسراف في المعاصي والآثام

لا شك أن الإسراف في المعاصي هو أساس كل شر وضلالة، ففي قصة أصحاب القرية التي مر ذكرها، حيث إن المعاصي والذنوب كانت سببًا في الشؤم الذي أصابهم نتيجة كفرهم برسلهم. ولذلك وصف الله تعالى أصحاب القرية بالمسرفين .

قال الله تعالى:

﴿ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴾

يس: ١٩

4- الجهل والضلال

لا شك أن الجهل من أسباب التشاؤم؛ لذا وصف الله تعالى آل فرعون وغيرهم بأن أكثرهم لا يعلمون .

قال الله تعالى:

﴿ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

الأعراف: ١٣١

يتضح من الآية الكريمة: أن الله تعالى ذم آل فرعون، ووصفهم بأنهم لا يعلمون بسبب جهلهم؛ حيث أسندوا حوادث هذا العالم لا إلى قضاء الله تعالى وقدره، بل إلى شؤمهم.

5- وساوس الشيطان

لا شك أن وساوس الشيطان هي سبب من أسباب التشاؤم؛ لذلك وصف الله تعالى قوم صالح عليه السلام بأنهم قوم فتنوا بتشاؤمهم من نبيهم صالح عليه السلام ومن معه من المؤمنين .

قال الله تعالى:

﴿ قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ ﴾

النمل: ٤٧

قال قوم صالح له: تَشاءَمْنا بك وبمن معك ممن دخل في دينك، قال لهم صالح: ما أصابكم الله مِن خير أو شر فهو بسبب عصيانكم وكثرة ذنوبكم ، وكلها تعود إلى وساوس الشيطان لكم.

قال الله تعالى:

﴿ لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾

الحج: ٥٣

وكل هذه الوساوس التي يلقيها الشيطان من باب الفتنة

6- التقليد

لا شك أن التقليد سبب من أسباب التشاؤم، فهو عادة سارت عليها الأمم القديمة ، وبقيت مستمرة إلى وقتنا الحاضر، ويأتي التقليد بالسير على ما سار عليه الآباء والأجداد، وذلك بتقليدهم في الباطل دون استناد إلى دليل في ذلك، حيث كان التشاؤم عندهم من باب تقليد الآباء والأجداد. لذلك ذم الله تعالى المقلدين لآبائهم في كل أنواع الضلالة والباطل بما فيها التشاؤم .

قال الله تعالى:

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾

البقرة: ١٧٠

وإذا قال المؤمنون ناصحين أهل الضلال: اتبعوا ما أنزل الله من القرآن والهدى، أصرُّوا على تقليد أسلافهم المشركين قائلين: لا نتبع دينكم، بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا. أيتبعون آباءهم ولو كانوا لا يعقلون عن الله شيئًا، ولا يدركون رشدًا؟

6- صور التشاؤم

    في

القرآن الكريم

أن التشاؤم يظهر بصور متعددة متنوعة بحسب اختلاف الأمكنة والأزمنة والناس، وسنذكر هنا بعض صور التشاؤم، والتي منها:

1- التشاؤم بالبشر

وهذا النوع من التشاؤم قد حصل مع بعض أنبياء الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام من قبل أقوامهم، كما أخبر الله تبارك وتعالى عن ذلك في قصصهم.

– عن تشاؤم فرعون وقومه من موسى عليه السلام

قال الله تعالى:

﴿ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَنْ مَعَهُ  أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

الأعراف: ١٣١

فإذا جاء فرعونَ وقومَه الخِصْبُ والرزقُ قالوا: هذا لنا بما نستحقه، وإن يُصِبْهم جدب وقحط يتشاءموا، ويقولوا: هذا بسبب موسى ومَن معه. ألا إنَّ ما يصيبهم من الجدب والقحط إنما هو بقضاء الله وقدره، وبسبب ذنوبهم وكفرهم، ولكن أكثر قوم فرعون لا يعلمون ذلك؛ لانغمارهم في الجهل والضلال.

– عن تشاؤم العرب من النبي محمد صلى الله عليه وسلم

قال الله تعالى:

﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ  فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ﴾

النساء: ٧٨

ويتضح من هذه الآيات وغيرها أن التشاؤم بالبشر عادة قديمة كانت عند بعض الأقوام كفرعون وقومه، حيث كانوا يتشاءمون ويتطيرون من موسى وأتباعه، معتقدين أنهم هم سبب ما أصابهم من الجدب والضيق والقحط، وتبعهم في ذلك قوم صالح وأصحاب القرية وغيرهم، فبين الله تعالى لهم أن ما أصابهم إنما هو بقضاء الله وقدره، ولا دخل للرسل عليهم الصلاة والسلام في ذلك.

2- التشاؤم بالطيور

ورد لفظ الطير في القرآن الكريم بغير معناه الحقيقي بل ببعض اشتقاقاته التي تدل على معنى التشاؤم .

قال الله تعالى:

﴿ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ . قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴾

يس: ١٨-١٩

وعلى هذا فإن أصل التشاؤم يعتمد على حركة الطيور ، وذلك بزجر الطائر وإزعاجها عن أوكارها عند إرادة الخروج للحاجة، حتى إذا مرت على اليمين تفاءل به ومضى على وجهه، وإن مرت على الشمال تشاءم به وقعد، فهذا من فعل أهل الجاهلية الذين كانوا يوجبون ذلك، ولا يضيفون التدبير إلى الله عز وجل .

3- التشاؤم بالأحداث

هو التشاؤم بالمصائب والبلايا التي تصيب الإنسان، أو الحروب، أو الزلازل، أو المجاعات، فيذيع خبرها بين الناس، فيصيب بعضهم الجزع واليأس والشؤم، ومنهم من إذا أصيب بمصيبة أو بلية من مرض، أو خسارة، أو موت ونحو ذلك نسب كل ما أصابه إلى سوء الحظ، وذلك لسوء ظنه بالله تعالى، وعدم الرضا والتسليم لقضاء الله تعالى وقدره، وهذا كله منافٍ لإيمان المسلم؛ لأنه لا يجتمع الإيمان مع التشاؤم، فالأمر كله لله تعالى  .

قال الله تعالى:

﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

الأنعام: ١٧

وإن يصبك الله تعالى – أيها الإنسان- بشيء يضرك كالفقر والمرض فلا كاشف له إلا هو، وإن يصبك بخير كالغنى والصحة فلا راد لفضله ولا مانع لقضائه، فهو -جل وعلا- القادر على كل شيء.

قال الله تعالى:

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾

البقرة: ١٥٥-١٥٧

فالأمر كله راجع إلى الله تعالى، والواجب على المسلم حسن الظن به والتوكل عليه، وأن ما أصابه مما يكره إنما هو بسبب ذنوبه، فيلقي باللوم على نفسه لا على ما تجري به الأقدار.

7- علاج التشاؤم

ذكرالقرآن الكريم بعض الوسائل لتخليص الإنسان من القلق، والحزن من حصول المكروه والمصائب والبلايا الناتج من التشاؤم وغيره  ، ومن تلك الوسائل الأتي

1- الإيمان بالقضاء والقدر

لا شك أن الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان العقيدة الصحيحة، وأصل من أصول الإيمان لا يصح إيمان إلا به، ومعلوم أن التشاؤم ينافيه؛ لأن فيه اعتراضًا وتسخطًا على أقدار الله تعالى الجارية على خلقه، وأنه لا يقع شيء إلا بقدر الله وقضائه ومشيئته، فالمؤمن يجب أن يؤمن بذلك، ويتوكل على الله تعالى، ولا يرده شعوره بالتشاؤم عن شيء فإنه لا يضره بشيء، فالأقدار سارية عليه بما قدرها الله تعالى له من الخير والشر.

قال الله تعالى:

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

التغابن: ١١

وقد بين الله تعالى أثر الإيمان بالقضاء والقدر في تخليص العبد من القلق، والحزن، والخوف من حصول المكروه والمصائب والبلايا الناتج من التشاؤم وغيره .

قال الله تعالى:

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ  وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾

الحديد: ٢٢-٢٣

ويتضح مما تقدم: أن من آمن بالقضاء والقدر، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنه لن يصيبه إلا ما كتب له، وأن ما يجري من المصائب والبلايا والمحاب والمكروهات كله بقضاء الله وقدره، فقد سلم نفسه من الوقوع في آفة التشاؤم.

2- حسن الظن بالله والتوكل عليه

لا شك أن حسن الظن بالله تعالى له أثر كبير في حياة المؤمن ، فالمؤمن حين يحسن الظن بالله تعالى لا يزال قلبه مطمئنًا، ونفسه راضية بقضاء الله وقدره وما يصيبه في السراء والضراء، بخلاف التشاؤم الذي هو سوء ظن بالله عز وجل بغير سبب، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى والتوكل عليه في كل أحواله ،  فالتوكل مرتبط بحسن الظن بالله تعالى، وكلاهما علاج لما يصيب المسلم من دواعي الشؤم.

قال الله تعالى:

﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾

الطلاق: ٣

ومن يتوكل على الله فهو كافيه ما أهمَّه في جميع أموره ، وعلى هذا فإن التوكل على الله تعالى هو حسن الظن بالله عز وجل، والبعد عن التشاؤم الذي من أسبابه سوء الظن بالله تعالى وبأقداره السارية على خلقه سواء أكان خيرًا أم شرًا؛ لأن كل هذا ينافي إيمان المسلم، ويخل بعقيدته وحسن عبادته لله تعالى.

3- العلم النافع

كما أن الجهل والضلال سبب من أسباب التشاؤم كما مر، فإن العلم النافع هو علاج له، فما كان التشاؤم عادة من عادات الجاهلية والأمم السالفة إلا بسبب جهلهم وضلالتهم، ولهذا لا نجد أحدًا أنعم الله تعالى عليه بالعلم النافع إلا كان متفائلًا، بعيدًا عن التشاؤم، منشرح الصدر، ومطمئن النفس والقلب، ومؤمنًا بأقدار الله تعالى وما يحصل له في الحاضر والمستقبل، وهذا حال المؤمن

قال الله تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً  وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

النحل: ٩٧

إن العلم النافع هو نعمة من نعم الله تعالى على عباده، وعلاج لكل ما يصيب الإنسان من الآفات النفسية والقلبية، بما فيها الاعتقادات الخاطئة كالتشاؤم بالبشر، والمصائب والبلايا والطير والحيوان والأسماء، وغير ذلك، وكلها تعود إلى سبب الجهل والضلال.

4- الدعاء

إن الدعـاء هو الصلة القوية بين الخالق والمخلوق، وهو وقوف العبد بين يدي الله تعالى وسؤاله على وجه الافتقار والعجز والانكسار.

لذا فإن الإقبال على الله تعالى واللجوء إليه، وكثرة الإلحاح عليه بالدعاء هو من أفضل الأعمال، وعلاج لكل الآفات التي تصيب المسلم، ومنها: شعوره بالتشاؤم، فلا يمنعه ذلك من التضرع إلى الله تعالى أن يشرح صدره، وييسر أمره، ويتجاوز ما يصيبه من دوافع الشؤم بالإيمان وحسن التوكل على الله تعالى في السراء والضراء، ولا يكن كمن قال الله تعالى فيهم

قال الله تعالى:

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ . فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

الأنعام: ٤٢-٤٣

وعلى هذا: يجب على المسلم اللجوء إلى الله تعالى بالدعاء في اليسر والشدة، والاستعانة به في كل الأحوال، مع الاعتقاد بإجابة الدعاء ، وفي هذا الدعاء علاج لمن يجد في نفسه كراهية حدوث بعض الأشياء

5- الفأل الحسن

حث الله تعالى عباده على التفاؤل والبعد عن التشاؤم في آيات كثيرة، منها:

قال الله تعالى:

﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾

الشرح: ٥- ٦

فالفأل الحسن هو حسن الظن بالله تعالى وبقضائه وقدره، حيث يجلب السعادة والطمأنينة إلى النفس والقلب، ويبعث فيهما السرور والجد، بخلاف التشاؤم الذي فيه سوء ظن بالله، فلا يتحقق معه إيمان المسلم بقضاء الله تعالى وقدره في كل الأحوال، لذا فالفرق بين الفأل والتشاؤم: أن الفأل من طريق حسن الظن بالله، والتشاؤم لا يكون إلا في السوء.

ويضرب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المثل الأعلى في الفأل الحسن من خلال قصصهم الواردة في القرآن الكريم، منها:

– ما حصل مع النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار .

قال الله تعالى:

﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

التوبة: ٤٠

وغير ذلك كثير من هذه الوقائع والقصص التي فيها الحث على التفاؤل وحسن الظن بالله تعالى، والتوكل عليه في الضراء والسراء، وأن التفاؤل من صفات المؤمنين والصالحين، خاصة أنبياء الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام، فالمؤمن يتوقع حصول الخير دائمًا، على عكس المتشائم فإنه يتوقع حدوث الشر ووقوعه في الحاضر والمستقبل.

8- نسبة المصائب إلى أشخاص

يعتقد المتشاءمون قديمًا وحديثًا بنسبة المصائ

Share This