مفهوم الوحدة في القرآن الكريم

1- مفهوم الوحدة

الوحدة هي اتحاد الدول أو البلاد والأفراد والجماعات في سائر أمور حياتهم ومعاشهم وسيرتهم وغايتهم، وبموجب هذه الوحدة يصبح الجميع شيئًا واحدًا، أو أمةً واحدةً .

2- كلمة الوحدة

       في

  القرآن الكريم

وردت كلمة (وحد) في القرآن الكريم ٩ مرات. والصيغ التي وردت هي:

– اسم الفاعل مؤنثًا

وردت ٩ مرات

قال الله تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ﴾

يونس:١٩

وجاءت كلمة الوحدة في القرآن الكريم بمعني صيرورة الاثنين فما فوقها واحدا.

3- كلمات ذات الصلة

   بكلمة الوحدة

– الاجتماع

هو اجتماع الناس، وعدم تفرقهم، واجتماع القلوب بائتلافها، وعدم تفرقها.

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴾

النساء :140

– الاعتصام

الاعتصام هوالاستمساك بالشيء و ترك الخلاف والتفرق

قال الله تعالى:

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾

آل عمران:١٠٣

والاعتصام بحبل الله: هو ترك الفرقة، واتباع القرآن.

– التفرق

التفرق ضد الوحدة، وثمرة من ثمار الاختلاف المذموم بين المسلمين .

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾

الأنعام: 159

4- أنواع الوحدة

     في

القرآن الكريم

تنقسم الوحدة في القرآن الكريم إلي ما يلي :

أولًا: وحدة الخلق

لقد بين القرآن الكريم أن الناس جميعًا يربطهم رباط واحد، ويشتركون جميعًا بأمر وثيق، يجمعهم كلهم دون استثناء، إنهم جميعًا مخلوقون لخالق واحد، وأصلهم جميعًا أب واحد .

قال الله تعالى:

﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾

الأنعام: ٩٨

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ﴾

الأعراف: ١٨٩

﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾

الزمر: ٦

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ﴾

النساء: ١

هذه الآيات من رب الناس للناس جميعًا، مهما تباعدت أزمانهم وأمصارهم، ومها اختلفت لغاتهم وألوانهم، يذكرهم ربهم بأنه المتوحد المتفرد بخلقهم جميعًا، معرفًا إياهم كيف كان مبتدأ إنشائهم، ومنبهًا لهم على أن جميعهم بنو رجلٍ واحدٍ وأمٍ واحدةٍ، وأن بعضهم من بعض، وأن حق بعضهم على بعض واجبٌ، وجوب حق الأخ على أخيه، لاجتماعهم في النسب إلى أبٍ واحدٍ وأمٍ واحدةٍ، وعاطفًا بذلك بعضهم على بعض؛ ليتناصفوا ولا يتظالموا، وليبذل القوي من نفسه للضعيف حقه بالمعروف.

قال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا  ﴾

الحجرات: ١٣

لقد خلق الله عز وجل الناس من نفس واحدة، ثم جعل من نسلها الشعوب والقبائل ، وإن هذا التمايز بين الناس وتشعبهم إلى شعوب وقبائل مختلفة، لا ينبغي أن يكون مدعاة للتفاخر وتعالي بعض الناس على بعض، فلقد بين الله عز وجل الغاية من ذلك التمايز هي التعارف لا التفاخر؛ التعارف الذي يؤدي إلى تأكيد معاني الوحدة والأخوة الجنسية، لا التفاخر الذي يؤدي إلى الفرقة والتشتت.

ثانيًا: وحدة الملة والدين

لقد أخبرنا الله عز وجل في كتابه العزيز أن الناس مجتمعون على ملة واحدة ودين واحد.

قال الله تعالى:

﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾

البقرة: ٢١٣

كان الناس جماعة واحدة، متفقين على الإيمان بالله ثم اختلفوا في دينهم، فبعث الله النبيين دعاة لدين الله، مبشرين مَن أطاع الله بالجنة، ومحذرين من كفر به وعصاه النار، وأنزل معهم الكتب السماوية بالحق الذي اشتملت عليه؛ ليحكموا بما فيها بين الناس فيما اختلفوا فيه .

قال الله تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾

يونس: ١٩

كان الناس على الإيمان ودين الحق دون الكفر بالله والشرك به ، ثم اختلفوا بعد ذلك، فكفر بعضهم، وثبت بعضهم على الحق. ولولا كلمة سبقت من الله بإمهال العاصين وعدم معاجلتهم بذنوبهم لقُضِيَ بينهم: بأن يُهْلك أهل الباطل منهم، وينجي أهل الحق.

قال الله تعالى:

﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ﴾

المائدة: ٤٨

لو شاء الله عز وجل أن يجعل الأمم جميعا أمة واحدة، تدين بدين واحد، وبشريعة واحدة لفعل؛ لأنه سبحانه لا يعجزه شيء؛ ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك؛ وإنما شاء أن يجعلكم أمما متعددة ليختبركم فيما آتاكم من شرائع مختلفة في بعض فروعها، ولكنها متحدة في جوهرها وأصولها؛ فيجازي من أطاعة بما يستحقه من ثواب، ويجازي من خالف أمره بما يستحقه من عذاب.

قال الله تعالى:

﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ  وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

النحل: ٩٣

أي: ولو شاء الله عز وجل لوفقكم كلكم، فجعلكم على ملة واحدة، وألزمكم بها، ولكنه سبحانه يضل من يشاء ممن علم منه إيثار الضلال، فلا يهديه عدلا منه، ويهدي من يشاء ممن علم منه إيثار الحق، فيوفقه فضلا منه، وليسألنكم الله جميعًا يوم القيامة عما كنتم تعملون في الدنيا فيما أمركم به، ونهاكم عنه، وسيجازيكم على ذلك .

قال الله تعالى:

﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾

هود: ١١٨- ١١٩

يخبر سبحانه في هذه الآية أنه لو شاء لجعل الناس كلهم أمة واحدة على الدين الإسلامي، فإن مشيئته غير قاصرة، ولا يمتنع عليه شيء، ولكنه اقتضت حكمته، أن لا يزالوا مختلفين، مخالفين للصراط المستقيم، متبعين للسبل الموصلة إلى النار، إلا من رحم ربك فهداهم إلى العلم بالحق والعمل به، والاتفاق عليه، فهؤلاء سبقت لهم، سابقة السعادة، وتداركتهم العناية الربانية والتوفيق الإلهي.

قال الله تعالى:

﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾

الشورى: ٨

ولو شاء الله أن يجمع خَلْقَه على الهدى ويجعلهم على ملة واحدة مهتدية لفعل، ولكنه أراد أن يُدخل في رحمته مَن يشاء مِن خواص خلقه. والظالمون أنفسهم بالشرك ما لهم من وليٍّ يتولى أمورهم يوم القيامة، ولا نصير ينصرهم من عقاب الله تعالى.

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ . وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ ﴾

الأنبياء: ٩٢- 93

هؤلاء الأنبياء جميعًا دينهم واحد، الإسلام، وهو الاستسلام لله بالطاعة وإفراده بالعبادة، والله سبحانه وتعالى رب الخلق فاعبدوه – أيها الناس – وحده لا شريك له. لكن الناس اختلفوا على رسلهم، وتفرَّق كثير من أتباعهم في الدين شيعًا وأحزابًا، فعبدوا المخلوقين والأهواء، وكلهم راجعون إلينا ومحاسبون على ما فعلوا.

قال الله تعالى:

﴿ وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ . فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا  كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ . فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾

المؤمنون: ٥٢- 54

وإنَّ دينكم- يا معشر الأنبياء- دين واحد وهو الإسلام، وأنا ربكم فاتقوني بامتثال أوامري واجتناب زواجري. فتفرَّق الأتباع في الدين إلى أحزاب وشيع، جعلوا دينهم أديانًا بعدما أُمروا بالاجتماع، كل حزب معجب برأيه زاعم أنه على الحق وغيره على الباطل. فاتركهم – أيها الرسول – في ضلالتهم وجهلهم بالحق إلى أن ينزل العذاب بهم.

5- الحث على الوحدة

           في

     القرآن الكريم

الآيات التي تأمر بالوحدة وتحث عليها كثيرة في كتاب الله عز وجل،  فالقرآن الكريم قد جعل وحدة المسلمين وتآلفهم واجتماع كلمتهم من أصول الدين، وقواعده العظيمة، ولقد تنوعت أساليب القرآن الكريم في الدلالة على وجوب الوحدة ؛ وذلك كما يلي:

أ- الأمر الصريح بالوحدة

لقد ورد الأمر بالوحدة صريحًا في القرآن الكريم

قال الله تعالى:

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾

آل عمران: ١٠٣

فهذه الآية الكريمة تأمر المسلمين بأن يكونوا جميعًا مستمسكين بكتاب الله وبدينه وبعهوده، ولا يتفرقوا، كما كان شأنهم في الجاهلية، بضرب بعضهم رقاب بعض.

قال الله تعالى:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ  وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

المائدة: ٢

فهذه الآية تأمر المسلمين بالتعاون على كل ما هو خير وبر وطاعة لله عز وجل، وتنهاهم عن التعاون على ارتكاب الآثام، والاعتداء على حدوده؛ فإن التعاون على الطاعات والخيرات يؤدي إلى السعادة، أما التعاون على ما يغضب الله عز وجل فيؤدي إلى الشقاء.

ب – تقرير الأخوة بين المؤمنين جميعًا

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾

الحجرات: ١٠

لقد وصف القرآن الكريم المؤمنين بأعظم وصف يدل على وحدتهم واجتماعهم، لقد وصفهم بأنهم إخوة؛ فكما أن الإخوة في النسب تربطهم روابط قوية من المحبة والألفة وحرص كل منهم على مصلحة أخيه، فكذلك حال الأخوة بين المؤمنين.

قال الله تعالى:

﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾

المجادلة: ٢٢

أن الدين والإيمان والعقيدة الخالصة هي الرابطة الحقيقية التي توحد المسلمين جميعًا، وأن تلك الرابطة تتلاشى معها جميع الروابط النسبية والعصبية والقبلية ، فأخوة العقيدة والدين هي الكفيلة بتوحيد أمة الإسلام قاطبة، ولا يجوز لمسلم أن يقدم كافرًا ولو كان ذا قرابة ونسب على مسلم ولو كان الأخير أعجميًا بعيدًا.

ت – الأمر بالإصلاح بين المؤمنين

عند حدوث الخلاف بينهم

ومن أساليب القرآن الكريم في الحث على وحدة المسلمين وتجمعهم، أنه أمر بالمبادرة إلى الإصلاح بين المؤمنين إذا ما نزغ الشيطان بين طائفتين منهم فحصل بينهم نزاع أو اقتتال.

قال الله تعالى:

﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾

الحجرات: ٩

ففي هذه الآية نهيٌ من الله عز وجل للمؤمنين عن أن يبغي بعضهم على بعض، ويقاتل بعضهم بعضًا، فإن اقتتلت طائفتان منهم، فإن على غيرهم من المؤمنين أن يتلافوا هذا الشر الكبير، بالإصلاح بينهم، والتوسط بذلك على أكمل وجه يقع به الصلح، ويسلكوا الطريق الموصلة إلى ذلك .

قال الله تعالى:

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾

الأنفال: ١

اتقوا الله في أموركم، وأصلحوا فيما بينكم، ولا تظالموا، ولا تخاصموا، ولا تشاجروا؛ فما آتاكم الله من الهدى والعلم خير مما تختصمون بسببه.

قال الله تعالى:

﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ﴾

النساء: ١١٤

يخبر تعالى أنه لا خير في كثير من أولئك المتناجين، ولا في نجواهم؛ لنفاقهم وسوء طواياهم، اللهم إلا في نجوى أمر أصحابها بصدقة تعطى لمحتاج إليها من المسلمين، أو معروف استحبه الشارع أو أوجبه من البر والإحسان، أو إصلاح بين الناس للإبقاء على الألفة والمودة بين المسلمين.

ث – النهي عن الفرقة والاختلاف

كما أن القرآن الكريم أمر بالوحدة وحث عليها، فإنه في مقابلة ذلك نهى عن الفرقة والاختلاف، وحذر منهما تحذيرًا عظيمًا .

قال الله تعالى:

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾

آل عمران: ١٠٣

وأمر الله عز وجل عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونهي عن التنازع الذي يؤدي إلى الافتراق واختلاف القلوب، ومن ثم الضعف والجبن والفشل وذهاب القوة.

قال الله تعالى:

﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾

الأنفال: ٤٦

أوصى الله تعالى جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالائتلاف والجماعة ونهاهم عن الافتراق والاختلاف .

قال الله تعالى:

﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾

الشورى: ١٣

ونهى الله سبحانه عباده المؤمنين أن يكونوا كأهل الكتاب الذين وقعت بينهم العداوة والبغضاء؛ فتفرقوا شيعًا وأحزابًا، واختلفوا في أصول دينهم، من بعد أن اتضح لهم الحق، وأولئك مستحقون لعذابٍ عظيم موجع .

قال الله تعالى:

﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

آل عمران: ١٠٥

وقد عد القرآن الكريم المتفرقين في الدين من الكفار والمشركين

قال الله تعالى:

﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾

الروم: ٣١ – ٣٢

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾

الأنعام: ١٥٩

6- أسباب الوحدة

إن وحدة أمة من الأمم لا بد أن يكون لها أسباب، ولا بد أن يكون لها أسس وأصول تعتمد عليها؛ فإن الذي يوحد الناس أمر مشترك بينهم؛ يجمعهم ويوحدهم، ويجعل هدفهم واحدًا، وغايتهم واحدة، وهمهم واحدًا، وهكذا تتوحد الشعوب والأمم. وسنعرض في النقاط الآتية مجمل أسباب وحدة الأمة الإسلامية:

أولًا: طاعة الله

إن أمة الإسلام أمةٌ ربانيةٌ، تؤمن بالله عز وجل ربًا، وتتعبد ربها وتتقرب إليه بطاعته ، وهذا الأمر هو أعظم ما يجمع هذه الأمة؛ فليس بين أفرادها من يقدم طاعة مخلوق مهما عظم على طاعة الله عز وجل.

قال الله تعالى:

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾

آل عمران: ١٠٣

إن الله عز وجل أمر عباده المؤمنين بالاعتصام بحبله ؛ وحبل الله هو دينه، أو هو كتابه، أمر الله عز وجل المؤمنين أن يعتصموا ويستمسكوا به، ويعتمدوا عليه؛ لأنه حبل النجاة، وسبب السلامة، أمرهم ربهم أن يفعلوا ذلك جميعًا، كلهم مجتمعين.

قال الله تعالى:

﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ ﴾

طه: ١٢٣

﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

البقرة: ٣٨

وقد دلت هذه الآيات على انتفاء الضلال والشقاوة والخوف والحزن عن متبعي الوحي، إن الأمة إذا تمسكت بوحي ربها، واستنارت بالهدى الذي أنزله الله لها، توحدت على ذلك، وأي شيء يوحد الأمة أعظم من ذلك؟!

ثانيًا: التحاكم إلى القرآن

إذا كانت أمة الإسلام أمةً متبعةً للوحي الرباني، ومطيعةً لله عز وجل ، فلا بد لها أن ترجع دائمًا إلى كتاب الله ، فهو مصدر التشريع بالنسبة لها، وهو المرجع في كل ما يطرأ عليها من أحداث، وبها تستنير وتسترشد .

قال الله تعالى:

﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾

الشورى: ١٠

وما اختلفتم فيه – أيها الناس- من شيء من أمور دينكم، فالحكم فيه مردُّه إلى الله في كتابه . ذلكم الله ربي وربكم، عليه وحده توكلت في أموري، وإليه أرجع في جميع شؤوني.

قال الله تعالى:

﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾

آل عمران: ١٠١

ولقد أنكر الله عز وجل على عباده المؤمنين أن يقع بينهم الخلاف والاقتتال، وآيات الله تتلى عليهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم.

قال الله تعالى:

﴿ وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾

الأنعام 155

إنه لا ينبغي لأمة الإسلام أن تختلف أو تتنازع في حكم أمر من الأمور ما دام بينها كتاب الله ، تتحاكم إليه، وترضى بما فيه، وتذعن وتسلم لحكم ربها عز وجل، فهل يبقى خلاف حينئذ؟!

ثالثًا : الإصلاح بين المتنازعين

أمر الله عز وجل بالإصلاح بين المتنازعين من المؤمنين

قال الله تعالى:

﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾

الحجرات: ٩ – ١٠

فهذه الآية توجب على المؤمنين الإصلاح بين إخوانهم إن حدث نزاع أو قتال بين طائفتين منهم، ولا يخفى ما في الإصلاح بين المتنازعين من ترسيخ لوحدة الأمة المسلمة، وصيانة لها من تشقق بنيانها، وتفكك وحدتها.

رابعًا: الإعراض عن الجاهلين

لا شك أن مجاراة الجاهلين، ومقابلة جهلهم بالمثل من الأمور التي تنشئ التنازع والخلاف بين صفوف المسلمين، فيشتت شملهم، ويمزق كلمتهم، ولا يخفى ما في الإعراض عن أولئك الجاهلين من مصلحة للمسلمين، بصيانة وحدتهم وإدامة اجتماعهم وتآلفهم. ولقد أمر الله عز وجل بالإعراض عن الجاهلين

قال الله تعالى:

﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾

الأعراف: ١٩٩

ففي الإعراض عنهم مصلحة خاصة للمعرض، حيث يسلم من أذيتهم، وفيه مصلحة عامة للمجتمع، حيث يسلم المجتمع المسلم من حدوث النزاعات والخلافات التي لا تحمد عقباها.

خامسا  – العبادات

العبادات في الإسلام تمثل جزءًا عظيمًا من الدين ، ومن تأمل في العبادات التي شرعها الإسلام يجد أن كثيرًا من الحكم تظهر في أدائها، وكثيرًا من الثمرات تبرز حينما يقيمها المسلمون على مراد ربهم عز وجل، ومن عظيم هذه الثمرات المترتبة على العبادات توحيد أمة الإسلام، وبناء مجتمع مسلم مترابط متماسك .

أ- فريضة الصلاة

الصلاة هي الفريضة الأولى ، ولقد ورد الأمر من الله عز وجل لعباده المؤمنين بإقامة الصلاة، وذلك في آيات كثيرة من الكتاب العزيز

قال الله تعالى:

﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾

النور: ٥٦

﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

الروم: ٣١

وأثنى سبحانه على الذين يقيمون الصلاة

قال الله تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ﴾

الأعراف: ١٧٠

ولقد أمر الله المؤمنين بالمحافظة على الصلوات

قال الله تعالى:

﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾

البقرة: ٢٣٨

إن الإسلام لم يكتف من المسلم أن يؤدي الصلاة وحده في عزلة عن المجتمع الذي يحيا فيه؛ ولكنه دعاه دعوة قوية إلى أدائها في جماعة وبخاصة في المسجد

قال الله تعالى:

﴿ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾

التوبة: ١٠٨

والمسجد مكان مشاع عام يتساوى فيه الناس جميعًا؛ الحر منهم والعبد، والحاكم والمحكوم، والغني والفقير، في صورة عظيمة من صور وحدة المسلمين وتآلفهم. وإذا حضر المؤمن الجماعة، عرف إخوانه وعرفوه، فلو غاب عنهم سألوا عنه؛ فإن كان غائبًا دعوا له، وإن كان مريضًا عادوه؛ فأثيبوا وأجروا، وجبروا خاطره، وأدخلوا السرور عليه، وإن كان حاضرًا زاروه، فتوطدت أواصر الأخوة، وتأكدت أسباب التضامن والمحبة.

يتوجه المسلمون في صلاة الجماعة إلى قبلة واحدة، يقصدون ربًا واحدًا، يقتدون بإمام واحد، يكبرون معًا، ويتلون كتابًا واحدًا، ويدعون بدعاء واحد بصيغة الجمع

قال الله تعالى:

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾

الفاتحة: ٦ – ٧

إن إقامة الصلوات أهمية في توحيد المسلمين، وتنمية الألفة والمحبة في قلوبهم، فالمصلي يلتقي بإخوانه كل يوم خمس مرات، يدخل معهم المسجد، ويضع كتفه بجنب كتف أخيه، ويلصق قدمه بقدمه، بين يدي ربهم عز وجل، في أروع صور اللحمة والمحبة.

ب – فريضة الزكاة

الزكاة هي ركن من أركان الإسلام، وقد أمر الله عز وجل بها في كتابه في مواضع كثيرة، إن دفع الزكاة لمستحقيها، سبب لتأليف القلوب، وتأنيس النفوس، وإشاعة جوٍ من التراحم والتواصل بين المؤمنين، وتأكيد الأخوة والمحبة بينهم. والزكاة سبب لإشاعة الأمن والطمأنينة؛ فهي أمان للآخذ، والمعطي، والمجتمع بعامة ، فإن الزكاة سبب لتماسكه وتآلفه، وتضامنه وتكافله، ووقايته من رياح التفكك والتشرذم، وأعاصير الجريمة والظلم.

قال الله تعالى:

﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾

التوبة: ١١

ت – فريضة الحج

ومن أعظم المنافع التي ينالها المسلمون من أداء فريضة الحج اجتماع أهل التوحيد في صعيد واحد؛ يتعرف بعضهم على بعض، ويحدث بعضهم بعضًا عن أخبارهم وأخبار المسلمين في بلادهم، ويتبادلون الآراء والمنافع، ويتناصحون فيما بينهم، ويتناقشون مشكلاتهم، ويتعاونون على البر والتقوى، ويظهرون قوتهم، ويعلنون وحدتهم، وفي ذلك كله من مصلحة لأمة الإسلام مـا لا يخفى  .

قال الله تعالى:

﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ﴾

الحج: ٢٧ – ٢٨

ث – الصيام

ففي الصيام توحيد للأمة، حيث يصوم المسلمون في شهر واحد، يمسكون عن الطعام معًا، ويفطرون معًا، ويشعر غنيهم بفقيرهم، ويخرجون صدقة فطرهم معًا، وبعد تمام الصيام يجتمعون في مصلى العيد يهنئ بعضهم بعضًا.

قال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

البقرة: 183

7- عوائق الوحدة

إذا كان لوحدة الأمة الإسلامية أسبابٌ ومقوماتٌ عظيمةٌ من شأنها أن تجعل أمة الإسلام أعظم الأمم توحدًا واتحادًا واجتماعًا، فإن هناك عوائق قد تقف حائلًا دون تحقيق تلك الوحدة، فالوحدة إذا وجدت فلا بد من صيانتها من العوامل التي تؤدي إلى تحللها وتفككها، وفي المطالب الآتية بيان لأهم تلك العوائق التي تحول دون وحدة المسلمين.

أ – اتباع نزغات الشيطان

لقد حذرنا ربنا عز وجل من الشيطان تحذيرًا عظيمًا، وبين أنه عدوٌ لنا.

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

فاطر: ٦

فلا ينبغي للمؤمنين أن يتبعوا خطواته؛ لأنه لا يأمر إلا بالشر والفحشاء والمنكر، ولا يريد لحزبه إلا أن يكونوا معه من أصحاب السعير.

قال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾

النور: ٢١

وقد بين لنا ربنا عز وجل أن عداوة الشيطان لنا قديمة منذ خلق آدم عليه السلام.

قال الله تعالى:

﴿ يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ﴾

الأعراف: ٢٧

وإن من أخبث غايات الشيطان وأهدافه أن يوقع الشر والخصومة بين المؤمنين، وأن يبدل محبتهم لبعضهم بغضًا، وأن يقلب أخوتهم عداوة، وإن أسعد لحظات الشيطان الرجيم يوم يرى المؤمن قد رفع سلاحه على أخيه المؤمن، ويرى الخصومات والنزاعات قد اشتعلت نيرانها، وبرز شرها بين أمة الإسلام، حتى إن الشيطان ليفرح بالخصومة التي تقع بين الرجل وزوجه.

ب – التنازع والاختلاف

نهي القرآن الكريم عن الاختلاف والفرقة والتنازع، و بين أن التنازع والاختلاف هو أخطر ما يهدد وحدة المسلمين واجتماعهم ، إذ كيف تتوحد الأمة وأفرادها متنازعون مختلفون؟! وكيف يكون لهم كيان موحد متماسك إذا كانت قلوبهم مختلفة؟! وهذا أمر بدهي لا يحتاج إلى دليل ولا برهان.

قال الله تعالى:

﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾

الأنفال: ٤٦

إن الله عز وجل قد حذر هذه الأمة من الاختلاف والنزاع، وبين لها العواقب الوخيمة المترتبة على ذلك؛ كي تحذر الأمة وتتجنب كل ما يؤدي إلى الاختلاف بين أفرادها.

ت – اتباع الهوى

إن الخلاف والتنازع إذا وقع بين المسلمين فليس شرطًا أن يكون عائقًا أمام وحدتهم، لأنهم إن ردوا ما اختلفوا فيه إلى كتاب الله لم يبق خلاف ولا نزاع؛ ولكن المشكلة تكبر وتعظم إذا كان هذا الاختلاف ناتج عن اتباع الهوى، وصاحب الهوى يرفض الحق، ولا يتحاكم إلى كتاب ؛  فإن الهوى يعمى ويصم، وصاحب الهوى يقبل ما وافق هواه بلا حجة توجب صدقه، ويرد ما خالف هواه بلا حجة توجب رده . وقد حذرنا القرآن الكريم من اتباع الهوى تحذيرًا شديدًا، وبين لنا أن اتباع الهوى يبعد الإنسان عن العدل؛ فالعدل والهوى لا يجتمعان أبدًا.

قال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾

النساء: ١٣٥

ففي هذه الآية أمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط والعدل، فلا يعدلوا عنه يمينًا ولا شمالًا، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف، وأمرهم سبحانه أن يؤدوا الشهادة ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقًا، خالية من التحريف والتبديل والكتمان، وأمرهم أن يؤدوها ولو عاد ضررها على الشاهد أو على والديه أو على قرابته؛ فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجًا ومخرجًا من كل أمر يضيق عليه، وإن الحق حاكم على كل أحد.

إن اتباع الهوى مهلك ومضل، يحمل صاحبه على الشهادة بغير الحق، وعلى الجور في الحكم، وعلى غير ذلك من الظلم وتجاوز الحدود.

قال الله تعالى:

﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

ص: ٢٦

لقد بين ربنا سبحانه أن من عدل عن الحق واتبع هواه فهو أضل الناس، وفي ذلك تحذير شديد من اتباع الهوى بغير علم.

قال الله تعالى:

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

القصص: ٥٠

إن صاحب الهوى لا حاكم له ولا زمام، ولا قائد له ولا إمام، إلهه هواه، حيثما تولت مراكبه تولى، وأينما سارت ركائبه سار، فلا يسمع لكلام داعية ولا قائد ولا عالم إلا ما وافق هواه، تراه معتزلًا كل من يخالف هواه، وإن كان أهدى منه سبيلًا، مقربًا لكل من هو على شاكلته وإن كان للشيطان قبيلًا، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما وافق هواه، وهذا الصنف من الناس لا يبقي للمسلمين وحدة، ولا يترك لهم اجتماعًا.

8- ثمار الوحدة

إن لوحدة المسلمين ثمارًا ، وإن من أعظم ثمار الوحدة ما يأتي:

أ- الفوز برضوان الله عز وجل ونيل ثوابه

وذلك بالتزام طاعته فالله سبحانه هو الذي أمرنا بالوحدة

قال الله تعالى:

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾

آل عمران: ١٠٣

وهو سبحانه الذي وصف أمتنا بالأمة الواحدة

قال الله تعالى:

﴿ وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴾

المؤمنون: ٥٢

ب – المسلمون بوحدتهم يرهبون أعداءهم

قال الله تعالى:

﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾

آل عمران: ١٢٠

ومن عداوة هؤلاء أنكم -أيها المؤمنون- إن نزل بكم أمرٌ حسن مِن نصر وغنيمة ظهرت عليهم الكآبة والحزن، وإن وقع بكم مكروه من هزيمة أو نقص في الأموال والأنفس والثمرات فرحوا بذلك، وإن تصبروا على ما أصابكم، وتتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، لا يضركم أذى مكرهم.

 

Share This