مفهوم القدوة في القرآن الكريم

1- مفهوم القدوة

القدوة هي اتباع الغير على الحالة التي يكون عليها حسنة أو قبيحة .

2- كلمة القدوة

       في

  القرآن الكريم

وردت كلمة (قدوة) في القرآن الكريم في موضعين. والصيغ التي وردت هي:

– الفعل الأمر

ورد مرة واحدة

قال الله تعالى:

﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾

الأنعام:٩٠

– اسم الفاعل

ورد مرة واحدة

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴾

الزخرف:٢٣

وجاءت القدوة في القرآن بمعني الأسوة الذي يُقتدى به ويُتَّبَعُ ويُتَّخَذُ مثالًا يُسار على طريقته .

3- كلمات ذات الصلة

       بكلمة القدوة

– الأسوة

الاتباع للفعل والاقتداء بالفاعل .

قال الله تعالى:

﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ﴾

الممتحنة: ٤

– الاتباع

هو اِقْتِفَاء أَثَرِشخص ، والسَّيْر عَلَى نَهْجِهِ .

قال الله تعالى:

﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ﴾

يس: ٢٠ – 21

4 – أنواع القدوة

إن الإنسان في طبيعة خلقه مجبول على موازنة نفسه وأحواله بغيره من الناس ، وربما سره أن يكون مثلهم فسار على دربهم وحذا حذوهم للوصول إلى ما وصلوا إليه ، مسيئًا كان المتأسى به أو محسنًا، ومن هنا كانت القدوة منقسمة إلى قسمين ، هما

أولًا – القدوة الحسنة

القدوة الحسنة هي اتباع الإنسان غيره في الخير، ومحاسن الأخلاق في الأقوال والأفعال ؛ لأن الناس مجبولون على عدم الانتفاع بمن خالف قوله فعله، وأول علامة النجاح في القدوة أن يقوم بما يأمر به ، وينتهي عما ينهى عنه ..

قال الله تعالى:

﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾

البقرة : ٤٤

وجدنا أن الإنسان لا يكون مؤثرا في غيره إن هو لم يلتزم ما يأمر به غيره.

وتتجلى القدوة الحسنة في القرآن الكريم فيما يأتي:

أ – الرسل والأنبياء

الأنبياء والرسل هم صفوة الخلق ودعاة الحق، وقد حث الله تعالى على الاقتداء بهم والسير على نهجهم وتتبع سننهم، والتأسي بأخلاقهم وأفعالهم.

قال الله تعالى:

﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ﴾

الممتحنة: ٤

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾

الأحزاب:٢١

وفي سورة الأنعام بعد أن ذكر الله -عز وجل- نحو ثمانية عشر نبيا ورسولًا، أمر الله تعالى رسوله الكريم باقتفاء هديهم .

قال الله تعالى:

﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ ﴾

الأنعام : ٩٠

ب – الصحابة والتابعون

قال الله تعالى:

﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ

الممتحنة : 4

ممن وصفهم القرآن الكريم بأنهم أهل للقدوة الحسنة إبراهيم عليه السلام والذين معه من المؤمنين .

ت – العلماء

قال الله تعالى:

﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾

آل عمران: ١٨

المراد من أولي العلم في هذه الآية الذين عرفوا وحدانيته بالدلائل القاطعة؛ لأن الشهادة إنما تكون مقبولة، إذا كان الإخبار مقرونا بالعلم .

ج – الصالحون

قال الله تعالى:

﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ . اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

يس: ٢٠ – 21

يلاحظ في الآيتين السابقتين أن الرجل المذكور فيهما جاء داعيا للخير حريصا عليه، وإن الصالحين هم خير من يسرع إلى الخير ويبينوه للناس متى لزم الأمر، فهم قدوة الناس إلى الخير والصلاح .

د – الآباء الصالحون

القدوة بالآباء أعظم أساليب التربية في نظر الإسلام ، فلا بد للطفل من قدوة في والديه وأسرته لتنطبع في نفسه المبادئ والقيم الإسلامية، فإذا وجد الطفل القدوة الحسنة في والديه حذا حذوهم، وأصبح من الميسور تربيته طبقا لشريعة الإسلام.

قال الله تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾

الطور: ٢١

أي: أن الأبناء إذا تبعوا آباءهم على الإيمان، وكانت مرتبتهم أدنى من آبائهم، فإنهم يلحقون بالآباء إذا كانت مراتب الآباء في الجنة أعلى من مراتبهم .

عن اقتداء يوسف عليه السلام بآبائه

قال الله تعالى:

﴿ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ﴾

يوسف: ٣٨

والآباء الذين أشار إليهم يوسف عليه السلام هم أنبياء الله الذين دعوا إلى توحيده الخالص .

ر- الصحبة الصالحة

الصحبة لها أثرها في المصاحب، فالصاحب الصالح عون لأخيه على فعل الخيرات والتقرب إلى الله تعالى بالطاعات.

قال الله تعالى:

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾

الكهف: ٢٨

ثانيًا – القدوة السيئة

إن القدوة السيئة هي اقتداء الإنسان بغيره في الشر والباطل وفعل المنكرات. ولا يقف الحد عند الاتباع فحسب بل يتعدى ذلك إلى الدفاع عن أهل الباطل وتبرير أفعالهم، والتسويق لكفرهم أو فسقهم وفجورهم ، ومن أنواع القدوة السيئة التي ذكرها القرآن الكريم ما يأتي:

1- الشيطان وحزبه

من أسوء أنواع القدوة أن يتتبع الإنسان سبيل الشيطان وحزبه ، وأن يحذو حذوهم متناسيا أمر خالقه سبحانه في وجوب اتخاذه عدوًا.

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

فاطر: ٦

أي: عادوه بطاعة الله ولا تطيعوه فيما يأمركم به من الكفر والمعاصي فإن مصير أتباعه أن يكونوا من أصحاب السعير.

إن الاقتداء بإبليس لا يجدي نفعا، ولا يكشف ضرا، بل يجلب الحسرة والخزي والندامة حين إن إبليس يتبرأ من متبعيه يوم القيامة.

قال الله تعالى:

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ  وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

إبراهيم: ٢٢

يصدر هذا الاعتراف الصريح من إبليس يوم القيامة فيعترف أن الوعد الحق هو وعد الله على ألسنة رسله، وأنه وعد أتباعهم النجاة والسلامة، وكان وعدًا حقًّا، وخبرا صدقًا، وأما أنا فوعدتكم وأخلفتكم، واعتذر إبليس لنفسه قائلًا: وما كان لي عليكم فيما دعوتكم إليه من دليل ولا حجة على صدق ما وعدتكم به، غير أنكم استجبتم لي بمجرد ذلك، هذا وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاؤوكم به، فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه، فلا تلوموني اليوم، ولوموا أنفسكم، فإن الذنب لكم، لكونكم خالفتم الحجج واتبعتموني بمجرد ما دعوتكم إلى الباطل.

٢- الكبراء والرؤساء

إن نظرة كثير من الناس قاصرة، ربما قدموا طاعة القادة والزعماء على طاعة الخالق سبحانه، وهذه الطاعة للقادة إما أن تكون خوفا من بطشهم وعقابهم، وإما أن تكون طمعا فيما بين أيديهم من الجاه والمال .

قال الله تعالى:

﴿ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ ﴾

إبراهيم: ٢١

وهذا مصير أي ولاء يكون لغير الله، فإن القادة سيتخلون عن أتباعهم يوم القيامة.

قال الله تعالى:

﴿ وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ . قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ﴾

غافر: ٤٧ – ٤٨

في هذة الصورة صور مخاصمة الأتباع للقادة والسادة والكبراء يوم القيامة يوم الخزي والندامة للتابع والمتبوع على طريق الضلال.

3- الآباء الكافرون

القدوة السيئة بالآباء أخطر ما يهدد إيمان الأسرة وأمنها، فإذا رأى الولد في صغره سلوك أبيه قلده دون أن يدري ماذا يفعل، ويتحمل الأب هنا وزر القدوة السيئة ، غير أن الإنسان لا عذر له بالاقتداء بالآباء بعد أن يصبح ناضجا، فعليه أن يعمل عقله، لا أن يلغي تفكيره ويتبع الآباء على ضلالاتهم ويصبح كالأنعام، ينساق خلف قائد القطيع بلا عقل ولا روية، وهذا ما نعاه الله تعالى على المشركين.

قال الله تعالى:

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾

البقرة: ١٧٠

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾

المائدة: ١٠٤

4- الصحبة السيئة

قال الله تعالى:

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا . يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا . لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي  وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ﴾

الفرقان: ٢٧ -٢٨

فالواضح من الآية الكريمة أن الصاحب الفاسد هو سبب هلاكه ودخوله النار.

قال الله تعالى:

﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾

الكهف: ٢٨

ولا تُطِعْ من جعلنا قلبه غافلا عن ذكرنا، وآثَرَ هواه على طاعة مولاه، وصار أمره في جميع أعماله ضياعًا وهلاكًا.

قال الله تعالى:

﴿ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ ﴾

طه: ١٦

فلا يصرفنَّك – يا موسى – عن الإيمان بها والاستعداد لها مَن لا يصدق بوقوعها ولا يعمل لها، واتبع هوى نفسه، فكذَّب بها، فتهلك.

5 – نماذج من القدوة

      في

 القرآن  الكريم

إن النماذج التي عرضها القرآن للقدوة الحسنة وللقدوة السيئة كثيرة، وكان عرض الصور الحسنة منها للحث على الاقتداء بها، وفي المقابل كان عرض الصور السيئة للتحذير من الاقتداء بها والسير على طريقها، وسيتم عرض الموضوع في النقاط الآتية:

أولًا – نماذج من القدوة الحسنة

أ – إبراهيم عليه السلام

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾

النحل: ١٢٠ – ١٢٢

ومعنى﴿  كان أمة ﴾ أي: إمامًا في الخير يقتدى به الناس.

وقد أمر رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام بالاقتداء بإبراهيم واتباع ملته.

قال الله تعالى:

﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

النحل: ١٢٣

بل إن الدعوة للاقتداء بإبراهيم عليه السلام لم تكن لمحمد عليه السلام وحدة بل كانت للناس جميعا بما فيهم عبدة الأوثان من العرب .

قال الله تعالى:

﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾

البقرة: ١٣٠

ومجالات القدوة بإبراهيم عليه السلام كثيرة جدا ،منها أنه عليه الصلاة والسلام كان:

1- قانتا لله

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ ﴾

النحل: ١٢٠

وقانتًا تعني أنه عليه السلام كان مطيعا لله، أوهو القائم بأوامر الله .

2- حنيفًا

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

النحل: ١٢٠

أي: مائلًا إلى دين الإسلام ميلًا لا يزول عنه

3- شاكرًا لأنعم الله

قال الله تعالى:

﴿ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

النحل: ١٢٠ – ١٢٢

يعني: أنه كان شاكرا لله على نعمه العظيمة التي أنعم بها عليه، فقد اجتباه ربه، أي: اختاره لنبوته واصطفاه لخلته وهداه إلى دين الإسلام .

4 – أوَّاهًا

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾

التوبة: ١١٤

إن الآية ثناء على إبراهيم. ولأواه يرجع إلى إن إبراهيم عليه السلام عظيم التضرع لله والاستغفار

5- حليمًا

قال الله تعالى:

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾

التوبة: ١١٤

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ﴾

هود: ٧٥

والحليم: كثير الصفح عما يصدر مِن قومه من الزلات

6 – كريمًا

قال الله تعالى:

﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ . إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ . فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ . فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ﴾

الذاريات: ٢٤ – 27

جمعت هذه الآيات آداب وكرم الضيافة التي هي من أعظم وأشرف الآداب

7- صابرًا

لقد ابتلي إبراهيم عليه السلام ابتلاءات عظيمة فصبر وشكر.

قال الله تعالى:

﴿ وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾

البقرة: ١٢٤

واذكر- أيها النبي- حين اختبر الله إبراهيم بما شرع له من تكاليف، فأدَّاها وقام بها خير قيام.

وقد كان إبراهيم عليه السلام معلما للصابرين ومنارا للمقتدين، ولأجل ذلك أمر الله تعالى نبيه عليه السلام بالاقتداء به في مجال الصبر

قال الله تعالى:

﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾

الأحقاف: ٣٥

8 – بارا بوالده المشرك

كان إبراهيم عليه السلام يستغفر له ، وكان يخاطبه بأسلوب فيه تحبب وشفقة ومحبة ، وكان يرجو أن يهديه الله عز وجل، فلما مات كافرًا، ترك الاستغفار له.

قال الله تعالى:

﴿ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴾

مريم: ٤٧

9 – سليم القلب

إن صفاء القلب وسلامة السريرة من أهم المعالم في الاقتداء، وكذا كان إبراهيم عليه السلام.

قال الله تعالى:

﴿ وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ . إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

الصافات: ٨٣ – ٨٤

10- قول الحق بلا خوف ولا وجل

اتصف إبراهيم عليه السلام بالشجاعة رغم انعدام النصير من الناس، فأعلن لقومه بكل صراحة ووضوح البراء من الأوثان

قال الله تعالى:

﴿ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ . أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾

الأنبياء: ٦6 – 6٧

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ﴾

الزخرف: ٢٦

وتجاوز القول إلى الفعل فكان يهدد ويتوعد أصنامهم

قال الله تعالى:

﴿ وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ ﴾

الأنبياء: ٥٧

إنها دروس في الشجاعة وقول الحق بلا خوف ولا وجل.

ومعالم الاقتداء بإبراهيم عليه السلام كثيرة جدا، فحاز أخلاق القرآن كلها.

ب – ذو القرنين

ورد في شأن ذي القرنين أنه ملكه بلغ أقصى المغرب والمشرق والشمال والجنوب، وهذا هو القدر المعمور من الأرض ، ومجالات الاقتداء بذي القرنين كثيرة، منها:

1- عدم الفتنة بالملك

فقد أنعم الله تعالى على ذي القرنين بملك عظيم

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴾

الكهف: ٨٤

فالآية تشير إلى أن الله تعالى مكن له في الأرض، فأعطاه سلطانا وطيد الدعائم ويسر له أسباب الحكم والفتح. وأسباب البناء والعمران، وأسباب السلطان والمتاع وسائر ما هو من شأن البشر أن يمكنوا فيه في هذه الحياة. وهو مع ذلك لم يفتتن بملكه ولم يصب بالبطر والغرور وسائر أمراض القلوب، بل ظل متذكرا للآخرة راجيا رحمة ربه.

2- إقامة العدل بين الناس.

كان عادلًا بين الناس بما يحقق لهم الأمن والاستقرار.

قال الله تعالى:

﴿ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا . وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ﴾

الكهف: ٨٧ – ٨٨

لقد كان ذو القرنين يعامل المحسن بإحسانه والمسيء بقدر إساءته فما حكي نهاية في العدل وغاية الإنصاف.

3- التواضع وعدم التكبر

قال الله تعالى:

﴿ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ﴾

الكهف: ٩٤

تشيرالأية إلى تواضعه بين الناس، وأنه لا يفرض عليهم ألقابًا يحبها كل من ملك.

4- الاستعفاف عما في أيدي الناس

فعندما عرض القوم على ذي القرنين المال مقابل حمايتهم من بطش يأجوج ومأجوج لم يستغل ضعفهم وحاجتهم، بل استغنى بما آتاه الله.

قال الله تعالى:

﴿ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا . قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ﴾

الكهف: ٩٤ – ٩٥

فلم يكن ذو القرنين ذا طمع، ولا رغبة في الدنيا، ولا تاركًا لإصلاح أحوال الرعية، بل كان قصده الإصلاح؛ فلذلك أجاب طلبتهم لما فيها من المصلحة، ولم يأخذ منهم أجرة، وشكر ربه على تمكينه واقتداره .

5- إشراك الناس معه في القيام بالأعمال

قال الله تعالى:

  ﴿ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ﴾

الكهف:٩٥

أي: ما قواني عليه ربي خير من جعلكم، فأعينوني بأبدانكم وقوتكم، أجعل بينكم وبينهم ردما، والقوة التي طلبها منهم: فعلة وصناع يحسنون البناء والعمل . فلم يعمل ذو القرنين لهم ذلك الردم، ولكن علمهم كيف يصنعون الردم، وذلك حتى لا يعيشوا مع الإحساس بالعجز

6 – العلم ، والإشراف على العمل بنفسه

قال الله تعالى:

﴿ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ﴾

الكهف: ٩٦

إن صناعة الفولاذ الذي أشارت إليه عمل فريد أشرف عليه ذو القرنين بنفسه فقد قال للعملة: انفخوا بالكيران فى زبر الحديد التي وضعت بين الصدفين ففعلوا، ومازالوا كذلك حتى صارت كالنار اشتعالا وتوهجا، فصب النحاس المذاب على الحديد المحمى فالتصق بعضه ببعض، وسد الفجوات التي بين الحديد وصار جبلا صلدًا.

7- الشكر لأنعم الله

يعترف ذو القرنين بالفضل لله عز وجل

قال الله تعالى:

﴿ قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي ﴾

الكهف: ٩٨

أي: هذا السد والاقتدار والتمكين من تسويته نعمة من الله ورحمة على عباده . ويتعلم المرء من هذا الشكر لأنعم الله، فبالشكر تدوم النعم، وبالجحود والكفران تنزل النقم.

ت – امرأة فرعون

ضرب الله تعالى بها مثلا للذين آمنوا، وما ضرب المثل بالصالحين في القرآن الكريم إلا لأخذ العبرة والعظة والتأسي والاقتداء الحسن .

قال الله تعالى:

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾

التحريم :١١

ومن معالم الاقتداء بها:

1- التضرع إلى الله وقت الشدائد

قال الله تعالى:

﴿ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾

التحريم :١١

فقد وصفها الله بالإيمان والتضرع لربها، وكان سؤالها لربها من أجل المطالب، وهو دخول الجنة، ومجاورة الرب الكريم، وسؤالها أن ينجيها الله من فتنة فرعون وأعماله الخبيثة، ومن فتنة كل ظالم، فاستجاب الله لها، فعاشت في إيمان كامل، وثبات تام، ونجاة من الفتن.

2- إنكار المنكر والتبرؤ

من الكفر والضلال

قال الله تعالى:

﴿ َنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾

التحريم :١١

إن امرأة فرعون، تبرأت من صلتها بفرعون فسألت ربها النجاة منه. وتبرأت من عمله مخافة أن يلحقها من عمله شيء وهي ألصق الناس به، وتبرأت من قوم فرعون وهي تعيش بينهم.

3- الترفع عن متاع الدنيا

قال الله تعالى:

﴿ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ﴾

التحريم :١١

ودعاء امرأة فرعون وموقفها مثل للاستعلاء على عرض الحياة الدنيا في أزهى صوره. فقد كان فرعون أعظم ملوك الأرض يومئذ، وكانت امرأته في قصر هو أمتع مكان تجد فيه امرأة ما تشتهي، ولكنها استعلت على هذا بالإيمان. ولم تعرض عن هذا العرض فحسب، بل اعتبرته شرا ودنسا وبلاء تستعيذ بالله منه، وتطلب النجاة منه .

4- العطف والرحمة

قال الله تعالى:

﴿ وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ﴾

القصص: ٩

وقالت امرأة فرعون لفرعون: هذا الطفل سيكون مصدر سرور لي ولك،

ثانيًا – نماذج من القدوة السيئة

أ – فرعون

ورد ذكر فرعون في القرآن الكريم أربعا وسبعين مرة، ولم يكن ذكره لمجرد سرد القصص بل كان لأخذ العبرة والعظة والتحذير من السير على طريقه في الظلم والاستبداد والكبر والغرور، وللإشارة إلى أن السير في هذا الدرب مصيره الهلاك والخسران، حتى إن الله تعالى نجى بدنه بعد إهلاكه ليكون عبرة لكل من اقتدى به .

قال الله تعالى:

﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ﴾

يونس: ٩٢

ومن الآيات التي جاء التحذير فيها صراحة من الاقتداء بفرعون

قال الله تعالى:

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ . إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ . يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ . وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ﴾

هود: ٩٦ -٩٩

أما نماذج القدوة السيئة في شخصية فرعون فكثيرة جدا أذكر منها:

1- العلو

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾

القصص:٤

أي: إن فرعون تجبر في أرض مصر وتكبر، وعلا أهلها وقهرهم، حتى أقروا له بالعبودية.

قال الله تعالى:

﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ . إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى . اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ . فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَىٰ أَنْ تَزَكَّىٰ . وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ. فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ . فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ . ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ . فَحَشَرَ فَنَادَىٰ . فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ . فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ . إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَىٰ ﴾

النازعات: ١٧ – ٢٦

لقد أعلن فرعون عن نفسه أنه إله من دون الله علوًا واستكبارًا في الأرض، فأهلكه الله (عبرةً لمن يخشى) أي: عظة لمن يريد أن يعتبر، ويسلم .

2- الإسراف

قال الله تعالى:

﴿ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ ﴾

الدخان: ٣١

أي: من المتجاوزين الحق إلى الباطل، وذلك كفره بالله، وتركه الإيمان به، وجحوده وحدانية الله، وادعاؤه لنفسه الألوهة، وسفكه الدماء بغير حلها.

3- الطغيان

الطغيان هو تجاوز الحد في العصيان.

قال الله تعالى:

﴿ اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ﴾

النازعات: ١٧

4 – الاستكبار

كان استكبار فرعون وجنوده بامتناعهم عن قبول الإيمان ترفعًا وتكبرًا. ومن الآيات الواردة في ذكر استكبار فرعون .

قال الله تعالى:

﴿ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ﴾

القصص:٣٩

وكان استكبارهم في أرض مصر بالباطل والظلم، وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون إلى الله بالبعث للجزاء.

5 – الظلم

الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه المختص به، وهو على ثلاثة أنواع:

1- ظلمٌ بين الإنسان وبين الله تعالى، وأعظمه: الكفر والشرك.

2- ظلمٌ بينه وبين الناس.

3- ظلمٌ بينه وبين نفسه.

والملاحظ أن فرعون حاز الأنواع الثلاثة بلا منازع.

قال الله تعالى:

﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ . وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ . فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾

القصص: ٣8 – ٤0

والمعنى: فانظر أيها الإنسان كيف كان عاقبة من ظلم فاحذر أن تفعل مثل فعله.

6- الإفساد

الفساد هو خروج الشيء عن الاعتدال، قليلا كان الخروج عنه أو كثيرا، ويضاده الصلاح .

قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾

القصص: ٤

أي: إن القتل ظلمًا إنما هو فعل المفسدين

ت – ابني آدم

يحدثنا القرآن الكريم عن قصة عظيمة سطرها ابن آدم الأول بيديه، لنأخذ منها العبرة والعظة، فنحذر من جانب الأسوة السيئة المتمثلة فيها، إنها قصة اقتتال ابني آدم .

قال الله تعالى:

﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾

المائدة: ٢٧

لقد ذكر القرآن الكريم صورة مختصرة للحوار بين الأخوين قبل أن تقع الجريمة النكراء، وكان الكلام فيها لهابيل وهو يخاطب قابيل مذكرا له بالله وعقابه .

قال الله تعالى:

﴿ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ . إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ  وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ . فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾

المائدة:٢٨-٣٠

وقد ترتب على هذه الجريمة أن يحمل القاتل الأول تبعات جريمته مع كل حالة اقتداء به .

قال الله تعالى:

﴿ مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا  ﴾

المائدة: ٣٢

يتضح مما سبق أن مجالات القدوة السيئة بابن آدم تتجلى في: المعصية، والظلم، والحسد، وقد توج هذا بالقتل.

ث – امرأة لوط وامرأة نوح

ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط، إن الله جعل حالة هاتين المرأتين عظة وتنبيها للذين كفروا .

قال الله تعالى:

﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ﴾

التحريم:١٠

خيانة امرأة نوح وامرأة لوط لم تكن في الزنا، لأن الأنبياء عليهم السلام لا يبتليهم الله في نسائهم بفساد، وإنما كانت الخيانة في الدين .

ومما يلاحظ أن في معظم القصص التي فيها ذكر للقوم الخاسرين أن خاتمة الآيات تتحدث عن وجوب أخذ العبرة والعظة وعدم الاقتداء بهم، قال الله تعالى:

﴿ وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾

الذاريات:٣٧

﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴾

الأعراف:٨٤

﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ . فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ . إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾

الحجر:٧٤-٧٥

﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ . إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

الشعراء:١٧3 -١٧٤

﴿ إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ . وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾

العنكبوت:٣4 -٣٥

﴿ ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ . وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ . وَبِاللَّيْلِ  أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾

الصافات : ١٣6-١٣٨

وفي الختام: فإن الآيات واضحة في هلاك من اقتدى بهاتين المرأتين في الكفر، والخيانة، والفساد، والضلال، وأن الانحراف عن دعوة الأنبياء مصيره الخسران والبوار.

 

Share This