1- مفهوم السُّنَّة

هي مجموعة القوانين التي سنها الله عز وجل لتسيير هذا الكون، وعمارته، وحكمه ، وأخضع لها مخلوقاته جميعاً ، على اختلاف أنواعها وتباين أجناسها

قَال الله تعالى:

﴿ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا ﴾

الأحزاب:62

﴿ سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا ﴾

الإسراء: 77

﴿ سنة الله التى قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ﴾

الفتح :23

﴿ سنت الله التى قد خلت فى عباده وخسر هنالك الكافرون ﴾

غافر: 85

2- أنواع السنن

        في

 القرآن الكريم

تنقسم سنن الله تعالى في القرآن الكريم ، الى ..

أ- السنن الاجتماعية

وهى تلك السنن التي تتعلق بسلوك البشر وأفعالهم ومعتقداتهم وسيرتهم في الدنيا ، وفق أحوال الاجتماع والعمران البشري ، وما يترتب على ذلك من نتائج في العاجل والآجل .

قَال الله تعالى:

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ ﴾

الأنفال: 38

﴿ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ . كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ . لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ﴾

الحجر:  11-13

﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا . سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا  وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا ﴾

الإسراء: 76- 77

﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا ﴾

الكهف: 55

﴿ مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ  سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ  وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾

الأحزاب:  38

ب – السنن الكونية

هي التي تتعلق بالأشياء والظواهر والأحداث المادية والطبيعة غالبا .

قَال الله تعالى:

 ( أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون )

آل عمران: 83

( لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ )

يس: 40

( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ )

يونس: 5-6

فالكل خاضع لله .. خاضع لسننه التي فطر الخلق عليها.

 4- خصائص سنن الله في الكون

تتصف السنن الربانية بثلاث خصائص مميزة هي ..

أ – الثبات

فهي غير قابلة للتبديل والتغيير

قَال الله تعالى:

( فلن تجد لسُنة الله تبديلاً ، ولن تجد لسُنة الله تحويلاً )

فاطر:43

( سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً  )

الأحزاب:  62

سنة الله وطريقته في منافقي الأمم السابقة أن يؤسَروا ويُقَتَّلوا أينما كانوا، ولن تجد -أيها النبي- لطريقة الله تحويلا ولا تغييرًا.

ومن تلك السنن مايلي ..

قَال الله تعالى:

( إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا )

الكهف: 30

( وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ  )

الروم: 47

( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ )

النحل: 128

( إِنَّهُ مَنَّ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ )

يوسف: 90

وكان أمره الذي يقدره كائنا لا محالة، وواقعا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

ب – العموم والشمول

أي أنها تشمل جميع من وجبت في حقهم هذه السنة دون استثناء وبلا محاباة

قَال الله تعالى:

( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا)

النساء: 123

لا يُنال هذا الفضل العظيم بالأماني التي تتمنونها أيها المسلمون، ولا بأماني أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وإنما يُنال بالإيمان الصادق بالله تعالى، وإحسان العمل الذي يرضيه. ومن يعمل عملا سيئًا يجز به، ولا يجد له سوى الله تعالى وليّاً يتولى أمره وشأنه، ولا نصيرًا ينصره، ويدفع عنه سوء العذاب.

ج – الاطراد

أي التكرار أينما وجدت الظروف المناسبة مكانا وزماناً وأشخاصا وفكراً وسلوكاً

قَال الله تعالى:

 ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين )

آل عمران: 137

أي قد كان من قبلكم أمم أمثالكم، فانظروا إلى عواقبهم السيئة، واعلموا أن سبب ذلك ما كان من تكذيبهم بآيات الله ورسله، وهم الأصل وأنتم الفرع، والعلة الجامعة التكذيب، والحكم الهلاك.

وهناك آيات كثيرة في القرآن الكريم أشارت إلى صفة الاطراد في سنن الله ، منها

قَال الله تعالى:

( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم )

محمد: 1

( وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط )

آل عمران:120

( من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون )

النحل: 97

 ( من يعمل سواء يجز به )

النساء: 123

( ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف من بينه ، ثم يجعله ركاماً فترى الودق يخرج من خلاله ، وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء ، يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار )

النور:  43

4 – السنن و المشيئة الإلهية

يجب معرفة أن هذة السنن خاضعة في الوقت ذاته لمشيئة الله

قال الله تعالى:

( ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا)

الفرقان: 45

فإن مد الظل كناية عن اطراد حركة الشمس والأرض ،ولو شاء الله لعطل هذا الاطراد ، وجعل الشمس والأرض ساكنتين ، وفي هذا دليل على الهيمنة الإلهية المطلقة الدائمة .. وقدرتة أن يفعل بخلقه ما يشاء

قال الله تعالى:

( إن الله يحكم ما يريد )

المائدة: 1

 ( إن ربك فعال لما يريد )

هود: 107

وملازمة الصفات للموجودات لا تعني تعطيل المشيئة الإلهية ، لأن هذه الصفات ما كان لها أن تكون  أصلاً لولا مشيئة الله سبحانه

قال الله تعالى:

 (كوني برداً وسلاماً على إبراهيم )

الأنبياء: 69

أن الله عز وجل ، الذي جعل في النار صفة الإحراق قادر على أن يسلبها هذه الصفة متى شاء .

5- أهمية دراسة سنن الله

دعا الله تعالى المؤمنين في القرآن الكريم للسير في الأرض ، والنظر في تاريخ الأمم الغابرة لاستنباط الدروس والعبر (أو السنن) من خلاله

قال الله تعالى:

 ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين )

آل عمران 137

ومن ثم فإن مصير المجتمع بأسره مرهون بسلوك أفراده

قال الله تعالى:

 ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )

الرعد 11

 ( ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )

الأنفال 53

 ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة )

الأنفال 25

أن سلوك الناس ، الذين يشكلون مجتمعاً ما ، يعد بمثابة مقدمة لنفاذ السنة المرتبطة بهذا السلوك .. وبمعنى آخر فإن انتقال المجتمع من حال إلى حال لا يحصل عشوائياً . بل يحصل وفق سنن ربانية تحكم مساره وتضبط وجهته.

وأن رقي المجتمعات أو انحطاطها مرهونان بالتزام شريعة الله ، أو النأي عنها  .

قال الله تعالى:

 ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض )

الأعراف : 96

  ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾

النحل: 112

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا . فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا ﴾

الطلاق 8 – 9

 6- سنة الرسول

أن الله لم يذكر سنة الرسول فى القرآن الكريم ولو مرة واحدة .. ولم يذكر غير سنة الله .. أن رسول الله ليس مشرعاً .. ولكنه يحكم ويقضى بين الناس بشكل مقيد .. وفى حدود ما آتاه الله وأراه وأنزله من الحكم والعلم والشرع ..

قال الله تعالى:

﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾

المائدة 49

﴿ انا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله ﴾

النساء 105

والحق أن الله هو المشرع الوحيد .. وقد أمر الناس بطاعة الرسول .. لأن الرسول يحكم ويقضى بما أنزل الله .. ولا تعنى طاعة الرسول أنه سيشرع لهم وفق هواه.. ولقد كان الأنبياء يأمرون قومهم أن يتقوا الله ويطيعوهم .. لأنهم كانوا يبلغونهم أوامر ونواهى الله .. فطاعة الرسول .. أى رسول .. هى طاعته فى الرسالة التى أبلغها لهم .. وليس طاعته فيما يهوى .. فأى رسول لا ينطق عن الهوى .. لا يأمر ولا ينهى إلا وفقاً لما أنزل الله

قال الله تعالى:

﴿ اذ قال لهم اخوهم نوح الا تتقون. انى لكم رسول امين. فاتقوا الله واطيعون ﴾

الشعراء 106- 108

﴿ اذ قال لهم اخوهم هود الا تتقون. انى لكم رسول امين. فاتقوا الله واطيعون ﴾

الشعراء 124- 126

﴿ اذ قال لهم اخوهم صالح الا تتقون. انى لكم رسول امين. فاتقوا الله واطيعون ﴾

الشعراء 142- 144

﴿ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ . إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾

الشعراء 161- 163

﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾

النساء 80

من يستجب للرسول صلى الله عليه وسلم، فقد استجاب لله تعالى وامتثل أمره.

أن طاعة الرسول هى طاعته فيما أنزل الله .. فالرسول عندما كان يأتى فعلاً خاطئاً كان الله يبين له أنه أخطأ ..

قال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ  تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ  وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

التحريم 1

يا أيها النبي لِمَ تمنع نفسك عن الحلال الذي أحله الله لك، تبتغي إرضاء زوجاتك؟ والله غفور لك، رحيم بك.

قال الله تعالى:

﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ  تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ  وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

الأنفال 67 – 68

لا ينبغي لنبي أن يكون له أسرى مِن أعدائه حتى يبالغ في القتل؛ لإدخال الرعب في قلوبهم ويوطد دعائم الدين، تريدون -يا معشر المسلمين- بأخذكم الفداء من أسرى “بدر” متاع الدنيا، والله يريد إظهار دينه الذي به تدرك الآخرة. والله عزيز لا يُقْهر، حكيم في شرعه.

إن الله يبين لرسوله أنه أنزل إليه الذكر .. ليبين الرسول للناس ويفصل لإدراكهم ما نزل إليهم

قال الله تعالى:

﴿ وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم ولعلهم يتفكرون ﴾

النحل 44

البيان من الرسول هو قيام النبى بدوره كرسول .. فيبينها لهم كما أنزلت دون أن يكتمها.. ودون أن يضيف إليها حكماً أو يخالف فيها أمراً ..

قال الله تعالى:

﴿  وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا  فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾

آل عمران 187

فالبيان هو إظهار الحق .. إظهار قول الله كما أنزل .. وإخبار الناس به وعدم كتمانه .

7- أهمية دراسة السنن الإلهية

تظهر أهمية البحث في السنن الإلهية في الاتي ..

1- دراسة السنن الإلهية تجعل الإنسان قادراً على أن يأخذ من الأحداث تجارب صالحة تفيده في رسم مستقبله وتمنعه وتحميه من الوقوع فيما وقع فيه غيره من البشر في سالف الأيام.

2- معرفة تلك السنن هادياً لنا  لتسخير الكون بكل ما فيه من أجل فهم أشمل وأكمل للحياة، وبالتالي لامتلاك الأدوات المساعدة على استشراف المستقبل من خلال تلك السنن

 

Share This