1- المقدمة

اختلفت آراء العلماء في المراد بالسبع المثاني ، ففيها ثلاثة أقاويل : ، هي ..

– قيل أن السبع المثاني هي السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس، أو الأنفال والتوبة، عند من جعلهما في حكم سورة واحدة.

– وقيل أن السبع المثاني هي سورة الفاتحة، وخاصة أنها مؤلفة من سبع آيات. وسميت آيات الفاتحة السبع بالمثاني؛ لأنها تثنى: أي تكرر في ركعات الصلوات فرضا ونفلا .

– وقيل المراد بالسبع المثانى أقسام القرآن من الأمر والنهي والتبشير والإنذار وضرب الأمثال وتعديد النعم وأنباء القرون .

وللوصول للمعنى الصحيح لكلمة السبع المثاني ولكي نخرج من هذا الأختلاف ليس أمامنا إلا الاعتماد على القران الكريم ، لنفهم معني كلمة المثاني ،وكذلك معني كلمة السبع من خلال تدبر  الآيات التي ذكرت فيها .

2- معاني كلمة مثاني ومشتقتها

           في

        القرآن الكريم

تأتي كلمة مثاني ومشتقتها في  القرآن الكريم بالمعاني الأتية

أ- مثنى بمعني اثنتين

قال الله تعالى:

﴿ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ﴾

فاطر١

﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ﴾

النساء٣

﴿ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ﴾

سبإ ٤٦

مثنى أي اثنتين

ب – ثاني بمعنى لاويَ

قال الله تعالى:

﴿ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

الحج ٩

لاويًا عنقه في تكبر، معرضًا عن الحق

ت – يثنون بمعنى يضمرون

قال الله تعالى:

﴿ أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ  ﴾

هود ٥

إن هؤلاء المشركين يضمرون في صدورهم الكفر؛ ظنًا منهم أنه يخفى على الله ما تضمره نفوسهم،

ث – المثاني هي صفة للقرآن العظيم.

قال الله تعالى:

﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ ﴾

الزمر ٢٣

فكل آيات القرآن  هي مثاني. وذلك لأن كل (آية أو آيات) من القرآن، لها مثاني في آيات أخرى (آيات أخرى عديدة مشابهة في اللفظ أو المعنى، في نفس السورة أو في سور أخرى، تدعم معنى الآيات الأولى وتشرحه وتوضحه). فكل آية قرآنية هي مثناة لآية قرآنية أخرى. أي أن القرآن يفسر القرآن (وَالْقُرْآن يُوضِّح بعضُه بَعْضًا ).

ج – مثانَي بمعني مكررَا

قال الله تعالى:

﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾

الحجر٨٧

تعبير الآية (الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ)، بمعنى (القرآن ومثانيه)، أو بمعنى عبارات مثل: (القرآن وتفسيره)، (القرآن وشروحه)، (القرآن وتفصيله)، (القرآن وتوضيحه)، …الخ. أي أن القرآن يفسّر نفسه ويشرح نفسه ويفصّل نفسه ويوضّح نفسه. فكل آية أو آيات، هي مثناة أو مثاني لآية أخرى أو لآيات. وبعبارة أخرى:  كل آية أو آيات، تُثنّي آية أو آيات أخرى (تفسرها وتفصلها وتوضحها وتشرحها وتبينها).

3 – لماذا سبع مثاني؟

ذُكر الرقم سبعة في القرآن الكريم على عدة أوجه، فقد ذُكر لفظ (سبع) 18 مرة، وذُكر لفظ (سبعاً) مرتين، وذُكرت (سبعة) 4 مرات، ومجموع عدد مرات الذكر هذه 24 مرة. ولعله بذلك أكثر الأرقام ذكراً في القرآن بعد الرقم واحد.

قال الله تعالى:

 ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )

البقرة  29

 ( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )

البقرة  261

( وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىسَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ )

يوسف 43

وجذر (سبع) في اللغة العربية ليس منحصراً في المعنى الشهير (الرقم أو العدد سبعة) فقط ، وإنما أيضاً يفيد معنى التمام والكمال والإيفاء والإشباع والمبالغة والكثرة والوفرة وبلوغ الغاية والحد والنهاية. ومن شأن العرب أن تبالغ بالسبعة والسبعين من العدد .

قال الله تعالى:

( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ )

لقمان 27

وإنما ذكرت السبعة على وجه المبالغة دون التقدير

قال الله تعالى:

( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ )

التوبة 80

وإنما ذكرت السبعين  على المبالغة في كثرة الاستغفار دون التقدير

قال الله تعالى:

( ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ )

الحاقة 32

وإنما ذكر سبعون على المبالغة في الطول  دون التقدير

ومعنى (سبعاً) من المثاني، هو أن القرآن قد أشبع توضيح وشرح المعنى من خلال المثاني إشباعاً تاماً وافياً كاملاً كافياً.

4 – أمثال على مثاني القرآن

تجد بالقرآن آية أو آيات تتحدث عن (معنى) وتعبر عنه بألفاظ. ثم ستجد آية أو آيات أخرى (في نفس السورة أو في غيرها)، تتحدث عن (نفس المعنى السابق) أو قريباً منه، وتعبر عنه بألفاظ مشابهة، أو بألفاظ أخرى مختلفة (كلها أو بعضها)، أو تزيد عليه. ومثال على ذلك

أ- مصير الجبال يوم القيامة

قال الله تعالى:

( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا )

طه 105

( وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا )

المزمل 14

فالمعنى يتكرر مرة ثانية ولكن بألفاظ مختلفة فكل من الآيتين هي مثناة للأخرى، توضحها وتشرحها وتبينها.

ب- مصير البحار يوم القيامة

قال الله تعالى:

( وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ )

التكوير 6

وإذا البحار أوقدت

قال الله تعالى:

( وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ )

الانفطار 3

فجَّر الله بعضها في بعض

فالمعنى يتكرر مرة ثانية ولكن بألفاظ مختلفة فكل من الآيتين هي مثناة للأخرى، توضحها وتشرحها وتبينها.

ت – مصير النُّجُومُ يوم القيامة

قال الله تعالى:

( فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ )

المرسلات 8

ذهب ضياؤها

قال الله تعالى:

( وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ )

التكوير 2

تناثرت، فذهب نورها

فالمعنى يتكرر مرة ثانية ولكن بألفاظ مختلفة فكل من الآيتين هي مثناة للأخرى، توضحها وتشرحها وتبينها.

ث – اسوداد وجوه الكافرين يوم القيامة

قال الله تعالى:

 ( وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ )

آل عمران 106

 ( كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا)

يونس 27

فالمعنى يتكرر مرة ثانية ولكن بألفاظ مختلفة فكل من الآيتين هي مثناة للأخرى، توضحها وتشرحها وتبينها.

5- الحكمة من

وجود (المثاني)

في القرآن الكريم

سبب وجود المثاني في القرآن الكريم  واضح، وهو توضيح وشرح معنى الآية بأكثر من طريقة وأسلوب وصورة و تسليط الضوء على ذلك المعنى أو الفكرة أو الحدث ، من جهات وزوايا وأحوال ومواقف مختلفة، لأجل أن تُستوعب معنى الفكرةُ استيعاباً تاماً وافياً كاملاً.

 

 

Share This